إعلان علوي

كركوك ... المعركة الفاصلة




 بقلم : سليم الحسني


بين بغداد وأربيل، تقف كركوك في خط المواجهة الساخن، وعليها يتوقف مستقبل الاستفتاء.

لو تم حسم مسألة كركوك بإخراجها من دائرة المناطق المتنازع عليها، واعتبارها محافظة مستقرة مثل بقية المحافظات في الوسط والغرب والجنوب، لما كان مسعود البارزاني يفكر بالاستفتاء. لكن هذا الوضع القلق الذي فرضته العملية السياسية على كركوك، جعل القيادات الكردية تتخذها عنصر ضغط على الحكومة المركزية طوال الفترة الماضية.

ونجح زعماء الكرد في تحويل محافظة كركوك الى ورقة مساومة مع الأطراف السياسية العربية من السنة والشيعة. ففي المحطات الحرجة، يدعم الكرد الطرف السني أو الشيعي تبعاً لتساهله مع مسألة كركوك، أي أن أصوات التحالف الكردستاني في البرلمان تكون الى جانب الطرف الذي يسحب تمسكه بالمحافظة القلقة.

في مفاوضات الولاية الثانية للمالكي، أدرك البارزاني أن الحظ يبتسم له، وأن فرصة العمر التي لا تتكرر جاءته الى قصره في أربيل، يحملها المالكي ليضعها بين يديه مقابل أن يدعمه في الولاية الثانية، فكتب البارزاني شروطه، ووقع عليها الآخر. كانت لحظة تاريخية بين عقليتين، الأول يفكر بطريقة السياسي الذي ينظر الى البعيد وباستشارات إسرائيلية وخبرات متمرسة، والثاني يحمل عقلية العائلة والأقارب والأصهار، ويريد أربع سنوات إضافية من الحكم.

وحين انتهت تلك اللحظة ووقع المالكي وثيقة أربيل، شعر البارزاني بأنه امتلك القوة التي يريد، وعليه الانتظار بعض الوقت حتى يفوز بالمكسب الكبير، وضحك ملء شدقيه على خصمه البسيط.

مع احتلال داعش لمناطق واسعة من العراق، ومع حدوث نكسة الموصل في حزيران ٢٠١٤، عاش البارزاني أجمل أيام عمره السياسي، ووجد أن حلمه الكبير صار في متناول اليد، فداعش وفرت له الحدود الآمنة، وفسحت له المجال لكي يدفع نفوذه نحو كركوك، وفي الوقت نفسه يستقدم الشركات والدعم الإسرائيلي بلا تحفظ.

ورغم تلك الفاجعة الوطنية الكبرى التي حلت بالعراق بضياع الموصل ومحافظات أخرى من العراق، ورغم الفاجعة التي لا تجف دموعها في سبايكر، فان المالكي حاول أن يحمل للبارزاني فرصة حظ أخرى، وذلك بأن يتعهد للبارزاني بالتنازل عن محافظة كركوك كاملة لحكومة أربيل، مقابل أن يدعمه البارزاني في تولي الرئاسة الثالثة. معلومة ستثير غضب الكثيرين على كاتب المقال، لكنها الحقيقة الصادمة أكتبها كما هي.

كان البارزاني مستعداً لذلك، لكنه وجد استحالة حصول المالكي على الولاية الثالثة نتيجة مواقف الأطراف السياسية الشيعية والسنية الى جانب موقف المرجعية الدينية، والتي حالت دون تولي المالكي لولاية أخرى ـ مع أنه صاحب الحق في تشكيل الحكومة كونه رئيس الكتلة الأكبر ـ .

لقد أوصل المالكي بسلوكه فكرة كبيرة حشرها في رأس البارزاني، مفادها أن كركوك غير مهمة للحكومة المركزية، أو أن الشخص الذي يتولى السلطة في بغداد على استعداد للتنازل عن كركوك من أجل الحصول على أصوات النواب الكرد. ويبدو أن هذه الفكرة دارت في رأسه واختمرت كثيراً، مع قرب انتهاء ولاية العبادي، ومع إنجازه التاريخي في طرد داعش وتحرير المناطق التي أضاعها المالكي.

هنا يتركز موضوع الاستفتاء ومستقبله، بيد العبادي، يتكثف من تحركات ولافتات وتصريحات واستعدادات، الى نقطة واحدة ثقيلة، وعلى العبادي أن يتخذ القرار بشجاعة، فلو قرر أن يحسم وضع كركوك بأنها محافظة خارج إقليم كردستان، فسينهار حلم البارزاني، ولنتركه بعد ذلك وشأنه في اجراء الاستفتاء، لأنه سيكون نهايته السياسية.

مع وجود الحشد الشعبي، والانجاز التاريخي للعبادي في تحرير المناطق المحتلة، ومع دعم البرلمان له في إقالة محافظ كركوك، فان الطريق انفتح أمامه لخطوة أكثر جرأة، وعندها سيكون العبادي رجل المرحلة.