إعلان علوي

سؤال المعرفة وشكها

 

 

من الغرابة أن يشترط البعض على قراءة الفلسفة الغربية، وأن لا نقرأ الفلسفة الإسلامية،باعتبارها فلسفة لم تتجدد، والعكس يقع ايضا، أن تقرأ الفلسفة الإسلامية أولا ثم الفلسفة الغربية، دون أن تحتذيها، الغرابة ليست في القراءة، وهذا شرط كل طالب فلسفة، الغرابة أن يشترط الفهم المتبادل بينهما شرطًا لقبول احدهما ورفض الاخر، في حين أن الفلسفة الغربية لم تنشأ بالضد من الفلسفة الإسلامية، ولا حتى من أية فلسفة شرقية بميادينها الروحية والتأملية والعقلية، كل فلسفة هي بنت حضارتها وآليات اشتغالها، لكن الدعوة لقراءة وفهم الفلسفة الإسلامية بمواجهة قراءة وفهم الفلسفة الغربية، وكأنهما فلسفتان متناقضتان، شيء يستوجب التأمل، ففي كل مفرداتهما واسئلتهما وشكهما المشترك، ثمة تصور عن الحضارة التي انتجتهما، الفلسفة الإسلامية نتاج حضارة روحية، تستثمر المادة لصالحها، فلسفة تأملية نقلية بأسس يونانية، في حين أن الفلسفة الغربية تجاوزت اللاهوت وتحررت من هيمنته وبنت بيتها الفلسفي على التجربة والعقل والحوار والوعي بالحرية ووجود الذات المركزية، دون أن تغفل تاثيرابن رشد وغيره، ان المذهب الفلسفي الحق هو الذي يقودنا إلى تحرير الفلسفة كلها من اللاهوت، مهما كانت طبيعة هذا اللاهوت الديني؛ اسلاميًا كان أم مسيحيًا. فالهيمنة واحدة. وهيجل الذي استند في  تحليلاته للعلاقة بين الفلسفة واللاهوت، كان يضع الوعي بالحرية مبدأ أساسيًا لأيِّ تفلسف معاصر، وبدون الوعي بالحرية لا تنفع أية قراءة لأية فلسفة شرقية كانت أم أوروبية.

مالسؤال الذي يجب أن نسأله في مرحلتنا الحالية، بشأن الفلسفة التي نقرأ؟  وبدون تحديد السؤال لايمكن أن نختصر الزمن للقراءة المجدية، ففي المرحلة الحالية لشعوبنا العربية، والحوار المصيري الدائر في جميع الدوائر عن المنطقة وشعوبها وثرواتها ومجتمعاتها، لابد من سؤال يختصر لنا الطريق لرؤية ما يجب أن نفعلة. فإذا اغلقنا أنفسنا ضمن قراءة الفلسفة الإسلامية وحدها لايمكننا أن نرى مايحدث في مجتمعات العالم،وإذا انفتحنا كليا على فلسفات العالم وتجاهلنا إرثنا الفلسفي والحضاري، لايمكننا أن نبني شخصية حضارية متوازنة؟ إذا ما الطريق إلى معرفة أنفسنا ضمن ما يعرف بالعالم المعولم؟

نعود إلى الوراء قليلا، إلى عام النكسة 1967، هذا التاريخ المفصلي وضع سؤالا نقديًا كبيرا، وهو إلى متى نبقى حبيسي التراث الفلسفي القديم،؟ في حين أن شعوب العالم تتطلع دوما لبناء ذاتها غبر المثاقفة والتلاقح والنقد،وكانت النكسة سؤالًا عميقاً، من ان سبب الهزيمة هو إنحسار الثقافة العربية عن التجديد الفلسفي والثقافي، وأنَّ التراث المهيمن يعيد إنتاج ذاته إذا لم ينقدـ والحقيقة المرة التي حصدناها كانت متمثلة، وإلى اليوم بأننا أمه متخلفة ما لم نقرأ فلسفتنا قراءة نقديّة وعمل قطيعة مع التراث ، كي نتحرك ضمن حركة العالم المتقدم. بعد الهزيمة ظهرت بواد متميزة لهذا المسار الثقافي متمثلة: بمحمد اركون، وعبد الله العروي، والجابري، وأدونيس، وخليل احمد خليل، وهادي العلوي، وهشام شرابي، ونصر حامد ابو زيد، وغيرهم، ولكن بقي المشروع التنويري النقدي فرديا.فماتت حركة تنويرية لو رُعيت مؤسساتيا لأنتاجنا سؤالنا المعرفي الشكّي.