إعلان علوي

حزب الدعوة لا يستطيع محاسبة فاسد واحد، ماذا يسمى ذلك؟



 بقلم : سليم الحسني

سنوات عدة ولجنة التحقيق تبحث وتناقش وتتداول في فساد صلاح عبد الرزاق، بناءً على وثائق ومعلومات وشهادات بفساده خلال توليه منصب محافظ بغداد. 

وقد استجوبته اللجنة المختصة في حزب الدعوة وحققت معه، ثم جاءها الأمر بأن يتوقف التحقيق معه، فبقي الملف مفتوحاً دون براءته أو إدانته حتى الآن.

نشرتُ كماً كبيراً من الوثائق على مدى عدة أسابيع عن فساد صلاح عبد الرزاق، وحين أصبحت الفضيحة كبيرة، أقدم المكتب التنظيمي لحزب الدعوة على اصدار قرار بتعليق عضويته واحالته الى التحقيق، وكانت الخطوة مشكورة، واستحسنها الكثيرون وذهبوا الى القول بأن حزب الدعوة بدأ يستعيد ثقة الناس به، وأن فيه قيادات مصممة على مكافحة الفساد وتطهيره من الفاسدين.

وقد بادر موقع (المسلة) مشكوراً بتثمين هذه الخطوة، واعتبرها انتصاراً لصوت المواطن على فساد المفسدين، وأن دور وسائل الإعلام له أهميته وتأثيره في مكافحة الفساد، وهو دور مطلوب ولم تقصّر بعض المواقع الألكترونية في هذا الاتجاه، فقد كانت سبّاقة في إدانة الفساد واللصوص. كما أصدر اعلان (قاف) بياناً بهذا الخصوص.

مرت الأيام والأسابيع، ولم يسمع أعضاء الحزب ولا المواطن العراقي ولا وسائل الإعلام أي اجراء حول التحقيق. وكان الكثير من القرّاء والمتابعين، قد قرأوا الحال بدقة عالية، حين كتبوا في تعليقاتهم بأن قرار المكتب التنظيمي، لن يكون سوى خطوة يتيمة مفردة، وينتهي الأمر بالصمت والسكوت.

 وقد كانت توقعاتهم صحيحة، فقد أثار الشيخ عامر الكفيشي واعظ المالكي ومسؤول المكتب التنظيمي وعضو لجنة الانضباط المعنية بالتحقيق، أثار ضجة مفتعلة، حول تسريب قرار المكتب التنظيمي للعلن، وكان يهدف من وراء ذلك الى حرف مسار القضية من التحقيق مع صلاح عبد الرزاق، الى البحث عن تسريب القرار الحزبي.

وخلال ذلك كنت أواصل الكتابة والنشر عن فساد المحافظ الأسبق، كما كنت أنشر الرسائل والمقالات الخاصة على الدعاة، حول سبب التأخير في إجراءات التحقيق، وكان الجواب هو الصمت من المالكي ومن قيادة حزب الدعوة، كما كتبت رسائل عديدة خاصة الى القيادي السيد (فؤاد الدوركي) عضو لجنة الانضباط، لكنه لم يجب على أي رسالة منها، وله الحق في ذلك، فلا أعرف ظروفه ولا أعرف حساباته، في جو يخضع للحسابات والموازنات الحساسة. لكن الذي أعرفه أن الدنيا تغيّر حالها عن سابق عهدها، فما كان عليه الكثيرون في زمن المعارضة، لم يعودوا كذلك في زمن السلطة.

ثم وصلتني من طرف لا أعرفه ـ وهذا يحصل كثيراً معي ـ بضعة وثائق نشرتها في وقتها، وهي تبين ممتلكات صلاح عبد الرزاق خارج العراق، بينما ينفي هو امتلاكه أي عقار خارج العراق، كما تحدث عن وثيقة يعترف فيها بان الممتلكات الموجودة في لندن تابعة له، وانه قام بتسجيلها باسم ابنه، حيث نفى ذلك صلاح عبد الرزاق على عدة فضائيات وقال إن التوقيع مزور وليس توقيعه.

وصلتني صور مراسلات هاتفية وتسجيل صوتي من نفس الجهة ـ وربما من غيرها ـ وفيه حوار واضح بيّن لا يقبل الشك، بان صلاح عبد الرزاق يفاوض الطرف الآخر على شرائه (عشر أوراق) ويتوسل اليه بعدم نشرها، وأنه سيدفع له مبلغاً كبيراً مقابل تسليم الاوراق.

وحين نشرت ذلك، كنت أتوقع وكذلك كل متابع، أن يقوم المعنيون في حزب الدعوة، بثورة تحقيقية تنسجم مع حجم الفضيحة التي تطيح بسمعة حزبهم وقياداته وأمينه العام. لكن شيئاً لم يحدث، بل ازداد الصمت إطباقاً. واللافت ان الطرف الذي وعدني بمواصلة تزويدي بالتسجيلات الصوتية والوثائق، قد انقطع تواصله معي، مما يعني أن صلاح عبد الرزاق قد استفاد من تمييع التحقيق، وأبرم صفقته لشراء الوثائق والتسجيلات. ولا أدري هل ان ذلك تم بتواطؤ من قبل بعض القيادات في حزب الدعوة، أم غير ذلك؟

وحتى الآن لم يعلن حزب الدعوة أين وصل التحقيق مع صلاح عبد الرزاق. لكن الملفت ايضاً أن نشاطه قد ازداد اعلامياً، وراح المالكي يوفده ممثلاً عنه، في إشارة الى انه يزداد تمسكاً به، وانه تحت حمايته ورعايته، وكان قبل ذلك قد رتب له لقاءً خاصاً مع رئيس مجلس القضاء السيد فائق زيدان.

كنت اكتب وأكرر شعار (الكتلة التي لا تكشف الفاسدين، فاسدة)، وحين أضع هذا الشعار أمام مواقف حزب الدعوة، فأن النتيجة تبدو واضحة، فهو حزب وصلته وثائق الفساد، ويعرف الكثير من الدعاة والمسؤولين فيه فساد محافظ بغداد الأسبق، لكنهم يحجمون عن التحقيق معه، أو يتهاونون في ذلك.

هل هناك تفسير يمكن أن نحمل فيه قيادات حزب الدعوة على البراءة من الفساد؟
هل هناك رأي يمكن أن نعتمده، لكي لا نقول أن قيادات حزب الدعوة غير فاسدة؟
بالنسبة لي لا امتلك ما يبرر موقفهم، سوى أن القضية كبيرة، وان فساد صلاح عبد الرزاق متشعب متداخل، فلا حل أمامهم سوى تمييع الموضوع، لتبقى ملفات الفساد مغلقة بعيدة عن الانكشاف، باعترافات متبادلة حين يسقط الفاسد، ويضطر الى الاعتراف على الآخرين.