إعلان علوي

الحكمة والعقلانية في بسط سلطة الدولة




بقلم : ابراهيم بحر العلوم 

من المؤكد ان السادس عشر من تشرين الاول لهذا العام ، يمكن اعتباره علامة فارقة في مستقبل العلاقة بين المركز والاقليم ، حيث نجحت الحكومة الاتحادية بحكمة وعقلانية من اعادة سلطة الدولة على كركوك ، وانتشار القوات الاتحادية في المواقع الاستراتيجية في المحافظة ، والقيمة الاكبر لهذا النجاح هو تحقيق المكتسبات بدون اراقة الدماء ، والفضل يعود الى حكمة الحكومة الاتحادية وقواتها الامنية وحرصها على الالتزام بالتوجيهات في التعامل الانساني مع المدنيين وحفظ كرامتهم وعدم المس بحقوقهم، ومن جهة اخرى حكمة اغلبية قوات الاتحاد الوطني الكوردستاني التي عضت على الجراح ، ووضعت مصلحة كركوك وابنائه فوق المصالح الفئوية والشخصية، وانسحبت امام القوات العراقية في الوقت المناسب. 
لقد اطلق على معارك (كركوك) بانها انظف معارك شهدتها القوات العراقية طوال الفترة الماضية، ولعل مرد ذلك هو الاهداف المرسومة لها، فاهدافها كانت في فرض السيادة واعادة هيبة الدولة، متعالية كل التعالي عن روح الانتقام والثأر ولي الاذرع وما الى ذلك، حيث لازالت الامور تسير وفق الموازين الموضوعية والتي اشاد بها الغريب والصديق. لقد كان الدستور والقانون سقفا لجولة اعادة انتشار القوات الامنية في المناطق المتنازع عليها، ورفع العلم العراقي كرمز للسيادة الوطنية ليرفرف في سماء كركوك وباقي المناطق، فكانت معبرة عن الحرص الكبير على حماية الشعب العراقي بعربه واكراده وتركمانه واقلياته، فضرب الجيش العراقي بكافة صنوفه والقوى المساندة اروع ملحمة في بسط النفوذ بشكل سلمي واخلاقي، وكان انسحاب قوات البشمركة في مناطق كركوك تعبيرا عن موقف وطني يعكس المصداقية في رفض مشاريع التقسيم والتجزئة والرغبة في التعايش السلمي تحت خيمة العراق.

 ان تداعيات ما بعد داعش تجعلنا امام فرصة تأريخية لاعادة قراءة تجربتنا السياسية التي شابها الكثير من التشوهات طوال الاعوام الماضية، وانتجت نتوءات هددت وحدة العراق ارضا وشعبا، وهذه التشوهات بمجملها جاءت محصلة اخطاء ارتكبت من قبل كافة الاطراف، وما دعوات الاستفتاء والانفصال جاءت لتقض امل الوحدة والتعايش، كل ذلك جاء نتيجة العجز السياسي في ايجاد المخارج الواقية للبلد من هذه العثرات.

 ان المتغيرات والتحولات الكبرى التي يشهدها العراق منذ ٢٠١٤ وحتى يومنا هذا، يمكن ان تشكل ركائز جديدة لبناء العراق الجديد، وان ما يتوفر للعراق وحكومته اليوم من دعم شعبي ومرجعي واقليمي ودولي يجب استثماره لرسم ملامح مستقبل واعد جديد يتجاوز فيه كل الكبوات السياسية التي دفعت بالعراق الى التشتت والانفلات والتشظي والفشل في الاداء لكسب ثقة المواطن بسبب الاسس الخاطئة التي بنيت عليها العملية السياسية وفي مقدمتها مبدأ المحاصصة الذي ادى الى تفشى الفساد وهدر المال العام. وحدة العراق ليست شعارا يرفع فحسب بل سلوكا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا يوحي بالرغبة في العيش الكريم تحت سقف واحد وضمن منظومة الحقوق والواحبات استنادا الى مبدأ المواطنة، ان كركوك وقبلها الموصل والانبار تفتح الباب على مصراعيها لتلاحم جديد يتجاوز كل اخطاء الماضي بحكمة ومنطق ويرسم خارطة طريق لغد واعد ويدفع برص الصفوف لحماية العراق والعراقيين .