إعلان علوي

ما بعد كركوك... منطق الدولة ومصالح المكونات





 بقلم : ابراهيم العبادي 


 رغم ضراوة الهجوم الاعلامي ومساعي تحريك الفتن القومية والطائفية، فقد اجتاز العراق محنة الاستفتاء الكردستاني بكلفة قليلة وتحقق مكسب كبير لصالح الدولة العراقية بخروج المناطق المتنازع عليها من سلطة القوة واضطرار جميع الاطراف الى الاعتراف بان معالجة مصير هذه المناطق وطريقة ادارتها موكلة الى التفاوض والحوار وتحت سقف الدستور وليس فوقه. 

ما حدث في كركوك وغيرها اعاد الامور الى نصابها قبل ان يستثمر هذا الطرف او ذاك مثالب العملية السياسية وعيوبها ومجاملاتها واضطراراتها للسكوت عن تجاوزات صارت حقوقا يمنع الجدل فيها ، مما ترك الدولة تعالج ازماتها الكثيرة بتجميد ازمة وترحيل اخرى والسكوت عن ثالثة وانتظار عامل الزمن لمعالجة رابعة. 


بتحرير المناطق التي احتلتها داعش بعد تحرير الموصل والحويجة ومناطق غرب العراق وعودة المناطق المتنازع عليها الى سلطة الوطن، طوى العراق ازمتين محوريتين كادتا ان تلغيا وجود دولته التي انتجتها تداعيات ما بعد الحرب العالمية الاولى، وعليه ان يستثمر هذا المفصل الزمني ليعيد تأسيس دولته الجديدة بلا صراع مكونات ولا طموحات اقوام ولا تحالفات سابقة او تفاهمات جديدة بين زعامات وكتل واحزاب. 


الفرصة ثمينة جدا ربما لا تتكرر والشعوب الحية والنخب العاقلة تتجاوز مصالحها الصغيرة والمحدودة الى افق اوسع واكبر هي مصالح الوطن ومؤسسة الدولة .


اخطر ما ينبغي الانتهاء منه حاليا هو ادارة التنوع والتشارك في الثروة وجني مكاسب الدولة التي ينبغي ان تكون عادلة ونزيهة وبلا امتيازات مصطنعة لاحد على حساب احد.


لقد كان الدرس قاسيا عندما توهم سنة العراق ان بامكانهم تعطيل الدولة وتدميرها بالعنف السياسي لانهم لم يعودوا صناع قرارها وحدهم استنادا الى ارثهم السياسي والسلطوي الطويل، فكانت نكبة القاعدة وداعش وضياع المعاش والعمران والاضطراب الاجتماعي والمفاهيمي اسبابا كافية لولادة وعي سياسي جديد وزعامات سياسية بعقول كبيرة غير مستلبة لمشاعر طائفية وطموحات غير معقولة.


اما كرد العراق، فقد ثبت لهم بالبرهان ان طموحات الخرائط القومية وسياسات فرض الامر الواقع على الدولة المركزية خلافا للدستور وتجاوزا لمنطق الفيدرالية واستثمارا لمكاسبها بحق وغير حق أدت الى تاخير الحلم القومي الى اجيال جديدة ربما لم تولد بعد، وتحولت بحبوحة الازدهار والعمران التي كانت قصة نجاح الى ذكرى غير طيبة في التاريخ العراقي، تذكر ببراغماتية انتهازية تلعب على جراحات الدولة وتنهش بلحم الوطن الكبير وتستغله في اسوأ مراحل تاريخه الدامي. لقد كان الدرس السياسي بليغا في ما حصل، وتبين للجميع ان حسابات الحقل غير حسابات البيدر وان الطموح القومي المبالغ به اضر بالانسان واطاح بالاحلام .


اما تجربة الشيعة في السياسة والادارة فقد كانت نكبة لتاريخ من الطموحات والمآثر النضالية والتضحيات والخيالات عندما استاثرت نخب واحزاب وزعامات وعوائل بالسلطة والثروة وتركت جمهورا فقيرا يعاني ويشكو ويقارن ويشتم وينتقم، لتكون السنوات المنصرمة ذكرى مريرة وواقعا مؤلما لا يرضي غيورا ولا يسر حامل مشروع ديني او مدني، فقد كان الفساد والاستئثار والافتئات على حقوق الدولة وشيوع الشعبوية والطقوسية والاستعراضية السياسية والدينية على حساب العمل والانتاج والانجاز والتطوير ابرز مظاهر هذه المرحلة، وهكذا اكتشف جمهور الشيعة ومحازبوهم ان السبب في ذلك لا ينحصر في تحديات الارهاب ومشاكسات وعداوات الاخرين وابتزازهم ولا حتى قلة الخبرة وضياع روح المسؤولية بل بسوء التقدير لمعنى ادارة الدولة وحكمة السياسة وتجاوز القانون وانعدام ثقافة رجل الدولة المحنك في قبال رجل السلطة المتسرع . 


الان اكتشف الجميع ان لا بديل عن هذه النكبات وسوء الادارة والانقسام والصراع والازمات المتوالدة الا العودة الى منطق الدولة، الدولة الدستورية التي يكون ناظمها القانون وتحكمها المؤسسة وتسودها اخلاقيات وحقوق المواطنة وليس حقوق الفئات والجماعات والمكونات التي اضاعت الدولة وهدرت حقوق المكونات وانتجت دويلات العصبيات المدمرة.

امام العراق فرصة لاعادة بناء النظام السياسي وفق محددات جديدة بعد ان شبع الجميع من دروس المحنة ودفعوا تكاليف المرحلة من دمائهم وخبزهم، فهل من قدرة على الامساك باللحظة الثمينة؟ الخطوة الاهم ستكون في تجاوز عيوب الممارسة السياسية الانقسامية والانتهاء من صراعات الطوائف والاقوام ولعل خطوة جزئية صغيرة سيكون لها التاثير المهم عندما يصبح للعراق مفوضية انتخابات مستقلة فعلا وتلغى ثقافة الحصص ويؤسس بديلا عنها .