إعلان علوي

قراءة إستشرافية للازمة الكردية




بقلم : طالب سعدون


إن أي قراءة موضوعية للأزمة بين بغداد وأربيل منذ بدايتها ، كانت تشيرالى فشل (الاستفتاء) في تحقيق ما تريده (الجهة المنظمة له) ، ولن يأتي بنتائج تكون في مصلحة المواطن الكردي ، وإن حاولت أن تداعب مشاعره ، وتناغم حلمه بهذه العملية التي تتعارض مع الدستور، ولا تتفق مع طبيعة المواطن العراقي الذي يعتز بوحدته الوطنية ، ويتمسك بها بقوة ..


لكن مقابل ذلك هناك من يتساءل أيضا ..هل ستلغي هذه التداعيات – وإن جاءت لصالح وحدة العراق – هذا الحلم باقامة (دولة كردية) في يوم ما من ذهن من يفكر بذلك ، وسُيغلق هذا الباب الى الأبد ، ولم يعد بامكان هذا الطرف أو ذاك ، أن يفتحه بما يحقق هدفه الانفصالي ، مهما كانت الحجج والظروف ، خاصة وانه لا نزال نسمع الى الأن من يصرح ( على الهواء ) بأن هذا الحلم سيظل قائما ، ولن ينتهي بفشل عملية الاستفتاء ..؟


سؤال مهم يفترض أن يجد العراقي له جوابا بالاثبات ، لكي يطمئن على وحدة بلاده الى الابد ، خاصة وان ما تحقق بعد فشل الاستفتاء ، واعادة الانتشار يعد خطوة تاريخية ، واستراتيجية ، وليس حالة مرحلية مرتبطة بظرفها الخاص ..


و هذه النتيجة الكبيرة ينبغي أن تدفع الجميع الى العمل بمختلف الوسائل المشروعة على خلق واقع جديد – دون أحلام وكوابيس – من خلال تعزيز روح المواطنه العراقية ، بقناعة ذاتية تامة ، وإيمان صميمي راسخ على الارض ، فيجد الكردي – كما هو العربي وغيرهما – أن حاضره ومستقبله سيكون مشرقا اذا كان ضمن العراق الواحد ، وتوفير ما يطمح اليه ، من إمور حياتية ونفسية وسياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها ، وكأنه يعيش حلمه حقيقة ، داخل خيمة كبيرة تسع الجميع ، وتوفر لهم الظل الظليل ، والعيش الرغيد والسلام والاستقرار … خيمة إسمها العراق ..


ذلك هو التحدي الاكبر أمام الحكومات اللاحقة جميعا ، وهو ليس بالامر العسير ، لان الاجيال الجديدة تختلف في نشأتها وتكوينها السياسي ، وطبيعة حياتها اليوم ، عن الاجيال القديمة ، وهي اقرب الى أفكار الانفتاح ، وعدم الاصرار على فكرة لم تر النور على مدى عقود طويلة من الزمن ، وظروف دولية واقليمية مختلفة ، ولم تجلب لها غير المشاكل ، وشعرت بأنها تنعمت بمنجزات ومكاسب وحياة مستقرة ومرفهة بكل مجالاتها المعيشية والثقافية والاجتماعية والعمرانية ضمن خيمة العراق الكبيرة ، وتطمح الى تطويرها أكثر ، وليس الى إجهاضها ، والرجوع الى الوراء باحلام تدرك جيدا أنها صعبة التحقق ، وعديمة الجدوى …


ويجب أن يعرف المواطن الكردي إن من وقف بالضد من الاستفتاء ، لم ينطلق من موقف عدائي ضده ، بقدر ما هو حرص على وحدة الوطن ، وبقاء هذا اللون الجميل ضمن حديقة العراق الغناء زاهية بالوانها تشع بالبهجة والسرور ، وينعم الجميع بخيرها العميم …


فلا يمكن لأي حكومة عــــــراقية ، بغض النظر عن توجــــــهاتها السياسية ، أن تقبل بانفصال أي جزء من البلاد ، أو تسمح به ، لأنها بذلك تكون قد حكمت على نفسها بالانفصال عن الشعب ، وستفقد شرعيتها ، وحنثت في يمينها بالحفاظ على وحدة العراق .


ولذلك اشرت في مقال سابق – في بداية الازمة وقبل ان تتوضح الصورة بجلاء – الى إن أي قراءة واقعية لازمة الاستفتاء تقول أنه ليس أمام الحكومة الاتحادية غير خيار واحد هو رفض الاستفتاء بشدة ، وهذا ما لم تضعه ( الجهة المنظمة ) للاستفتاء في حسابها قبل أن تفكر به ، فوقعت في خطأ كبير عندما أصرت على اجراء الاستفتاء ، لان القبول به – بغض النظرعن نتائجه سواء ( لا أو نعم ) – يعني موافقة المركز على فكرة الانفصال ، وبالتالي يأخذ صفة الالزام الرسمي والغطاء القانوني بهذا القبول ، ويجعل الامرمفتوحا أمام المعنيين الاكراد على طول الزمن للفرصة المناسبة له ..


إن موقف المركزالرافض للاستفتاء يعززه موقف شعبي محلي موحد ومتمسك بوحدة العراق ، ويستند الى الدستور، ووضع اقليمي وعالمي يدعم هذا الرفض ناهيك عن الانقسامات والخلافات بين الاحزاب الكردية جعلت الاتفاق بينها على الاستفتاء شبه مستحيل .. كل ذلك وضع (الجهة المعنية بالاستفتاء ) أمام خيارواحد أيضا هو التراجع عن الاســــــتفتاء ، وإذا ما أصرت على الاستفتاء – وهو ما حصل فعلا – فستحكم على نفسها بالانتحار السياسي ، والعزلة ، وإذا ما تمخض عن ( دولة ) – وهذا مستحـــــــــيل – فستولد ميتة ، ولن تحقق للمواطن الكردي ما كان ينعـــــــم به قبل ( الانفصال ) ، وعندها لن تعني ( نعم ) شيئا ، مهما كانت نسبتها …


والتطورات التي أعقبت عملية الاستفتاء عززت هذا الرأي ، وصواب تلك القراءة للازمة ..