إعلان علوي

معركة فيشخابور ودوافعها السياسية




 بقلم : الخبير النفطي كوفند شيرواني



منذ اجراء استفتاء الأقليم في 25/9 الفائت ، والأحداث وردود الأفعال تتلاحق بوتائر سريعة ودراماتيكية دافعة المنطقة نحو مسلسل أزمات مؤسفة لم تتوقف الى حين كتابة هذه السطور. ردود الفعل من قبل الحكومة العراقية تمثل في لجوئها، مؤزرة بدعم الجارتين ايران وتركيا وصمت امريكي ، الى اجراءات عقابية تجاه اقليم كوردستان ، بدأت بايقاف الرحلات الجوية الدولية، وتجميد المصارف الرئيسية و الطلب من دول الجوار اغلاق المنافذ الحدودية ، ونقل ادارة شبكات الهاتف المحمول الى المركز. هذه الأجراءات أعتمدتها حكومة السيد العبادي تجاه الأقليم بهدف فرض حصار يرغم حكومة الأقليم على ألغاء نتائج الأستفتاء والتراجع عنه .


وقبل ان يمنح الحوار والتفاوض بين الأخوة، في المركز والأقليم، فسحة من الوقت ، تحركت قوات الجيش العراقي والشرطة الأتحادية وفصائل اخرى ، بعضها غير عراقية كما اشيع، لتدخل كركوك في 16/10 وبعدها مندلي وخانقين لتتمدد الى كل المناطق التي سميت في الدستور العراقي ” المناطق المتنازع عليها ” . وضمن هذا السياق، كان من البديهي أن تنصب عيون الحكومة المركزية على أهم معبرين حدوديين في دهوك ، وهما معبر فيشخابور موقع ربط خط أنابيب كركوك-جيهان الى تركيا، ومعبر ابراهيم الخليل في زاخو . وهذا ألأخير هو الدجاجة التي تبيض ذهبا في التجارة العراقية التركية ، اذ يقدر حجم التبادل التجاري عبره بـ 8 -10 مليارات دولار في العام .


قرية صغيرة


فيشخابور هي قرية صغيرة هادئة ، أو كانت كذلك، تغفو بسلام عى ضفاف نهر دجلة قرب المثلث الحدودي للعراق مع سوريا وتركيا. والقرية تتبع اداريا لمحافظة دهوك، ثالث اكبر محافظة في اقليم كوردستان العراق . القرية تسكنها 150 عائلة اضافة الى 250 عائلة نازحة من الجانب السوري ، ويبلغ تعدادها قرابة 2100 فرد . يمر قرب فيشخابور خط انبوب نفط كركوك-جيهان ، وهو خط استراتيجي لنقل النفط العراقي من حقول كركوك و الموصل الى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط . تم انشاء خط انابيب كركوك – جيهان وطوله 970 كم، في أواخر السبعينات 1976 . وبسبب عدم اجراء الصيانة اللازمة له لعدة سنوات، وتعرضه للتخريب مرات عديدة من قبل جماعات ارهابية كان آخرها تفجيره وخروجه من الخدمة تماما من قبل عصابات داعش في آذار 2014 ، قبيل ثلاث اشهر من سقوط الموصل في حزيران من العام ذاته ، ولهذا كله فالخط النفطي متضرر بدرجة كبيرة ومن الصعوبة أن تكون صيانته مجدية بل استبداله بآخر جديد. لكن الخط أستؤنف العمل به بعد ربطه بخط آخر جديد أنشأته حكومة الأقليم يمر بمحافظتي أربيل ودهوك ، عوضا عن جزئه المدمر في الموصل المحتلة آنذاك، واستمر التصدير منه لنقل نفط حقول الأقليم وبعض حقول كركوك ضمن اتفاقيتين للتعاون بين الحكومة المركزية وحكومة الأقليم في ديسمبر 2014 و آب 2016 .


كان جليا وقبل أسابيع ، ان حشود العسكر العراقيين المدعمة بالدروع الأمريكية والمدفعية الأيرانية الثقيلة ومشورة عسكرية وربما مشاركة من الحرس الثوري الأيراني ترافقها فصائل الحشد الشعبي وقوات اخرى في شمال الموصل، بصدد التحضير لعملية عسكرية واسعة النطاق صوب اهداف بالغة الأهمية ، تتجاوز، ماكان معلنا في البدء، معبر ربيعة الحدودي مع سوريا وقبلها مناطق سنجار، لتندفع بقوة نحو معبر فيشخابور وبعدها ابراهيم الخليل .بصرف النظر عن مايطرح في التبرير الرسمي لتحركات القطعات العسكرية العراقية ووصفها بانها تهدف بسط الأمن وسلطة الدولة وفق الدستور، وكأن هذه الأمور لم تكن ذات أهمية تذكر قبيل الأستفتاء المثير للجدل ، و محاولة الدخول الى منطقة تقع ضمن مايسمى بالخط الأزرق خط عام 2003، وكذلك ضمن خط شهر 6 لعام 2014 والذي اتفق عليه الجيش العراقي مع البيشمركة وبحضور القوات الأميركية ، كل ذاك يرجح وجود اسباب قوية سياسية كالعادة غير معلنة ، رغم وضوحها، لهذه الحملة أو لهذا التحرك للاستيلاء على المعبرين ، نرجحها في النقاط التالية :


– أن وصول القوات العسكرية العراقية ، والتي لا تمتلك حاليا أية حدود برية مباشرة مع تركيا، الى المثلث الحدودي يعني عزل الأقليم عن الأراضي السورية ، وهي مسكونة بأغلبية كوردية في تلك المنطقة ، فيحقق مكاسب ستراتيجية ، ستكون موضع ترحيب من تركيا ، فالجانب السوري تسيطر عليه وتديره قوات كردية سورية مقربة ، كما يقال، من حزب العمال الكوردستاني الذي تعده تركيا تنظيما ارهابيا . وهذا العزل بين منطقتين كورديتين عبر الحدود، سيحدد حركة الأفراد والأغذية والمواد الأخرى التي تخشى تركيا أن تعود بالنفع على منطقة تعتبرها تركيا مصدر تهديد لأمنها واستقرارها !


-السيطرة على المنفذ الوحيد لتصدير نفوط الشمال كركوك و الموصل والأستغناء ، بعد تأهيل كامل خط كركوك-جيهان، عن أي تنسيق مع حكومة الأقليم التي كانت تؤمن حماية المنطقة لفترات خلت كان فيها التنسيق مع الأقليم أمرا محتوما .


تصدير النفط


-الحيلولة دون استخدام الخط النفطي من قبل الأقليم في تصدير النفط المنتج من حقول الأقليم الجديدة، مثل حقول طقطق وطاوكي وغيرها ، هذا في حال عدم التوصل الى اتفاق المشاركة في التسويق أو تسويق النفوط الشمالية كلها عن طريق شركة سومو. وسيتيح ذلك للمركز حرمان الأقليم من واردات حقوله، وبهذا ستشكل ورقة ضغط اضافية الى الأجراءات العقابية الأخرى .


-هذه الورقة النفطية ، ستشكل حال تزامنها مع السيطرة على معبر ابراهيم الخليل، الحلقة الأخيرة ، وربما الأخطر، في فرض طوق الحصار على الأقليم وشعبه بهدف دفعه الى تقديم المزيد من التنازلات في أي حوار قد يجري بينها في مقبل الأيام بشأن المشاكل العالقة القديمة منها والجديدة والتي استحالت ، بسبب عدم حلها ، الى أزمات بالغة الضرر . ربما غاب عن ذهن الدهاة واضعي الخطط والمؤمرات، وهم وللأسف كثر في وطننا، أن منطقة فيشخابور ، اضافة الى كونها بوابة لأقتصاد النفط العراقي ، كانت دوما منطقة رخوة أمنيا بفعل موقعها الداني من الأحداث الدامية في الجانب السوري من الحدود ، لكنها تنعمت بالأستقرار بعد حمايتها من قبل قوات البيشمركة حرس الأقليم وشكلت لسنوات مضت ممرا آمنا أنقذ حياة عشرات الآف من اخواننا السوريين الذين فروا من ويلات حروب استعرت في كامل الأرض السورية . ترى من بوسعه أن يضمن أن لا تتحول هذة المنطقة الهادئة والجميلة بطبيعتها الى ساحة قتال ومواجهات عبثية تسيل فيها دماء العراقيين ، عربا وكوردا، لتصبغ بالحمرة مياه دجلة الزرقاء ؟