إعلان علوي

عن الكرد في وقت الشدة





بقلم : رافد الجبوري


لاشك‭ ‬ان‭ ‬المجتمع‭ ‬الكردي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وفي‭ ‬اقليم‭ ‬كردستان‭ ‬العراق‭ ‬تحديدا‭ ‬يمر‭ ‬بازمة‭ ‬شديدة‭ ‬بل‭ ‬وازمات‭. ‬يشير‭ ‬خصوم‭ ‬الكرد‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الاقليم‭ ‬باصراره‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬اجراء‭ ‬الاستفتاء‭ ‬لم‭ ‬يخسر‭ ‬فقط‭ ‬حلم‭ ‬الدولة‭ ‬بل‭ ‬خسر‭ ‬معه‭ ‬ايضا‭ ‬مكاسب‭ ‬عمرها‭ ‬اربعة‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬تحققت‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النظام‭ ‬الفدرالي‭.‬‭ ‬يصب‭ ‬هولاء‭ ‬نيران‭ ‬شماتتهم‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬الاقليم‭ ‬مسعود‭ ‬بارزاني‭ ‬وحزبه‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الكرد‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬الاستفتاء‭ ‬واجراءه‭ ‬ونسبة‭ ‬اكبر‭ ‬تؤمن‭ ‬بانه‭ ‬لابد‭ ‬للكرد‭ ‬يوما‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يمتلكوا‭ ‬دولة‭ ‬مستقلة‭ ‬رغم‭ ‬انهم‭ ‬يرون‭ ‬باعينهم‭ ‬صعوبة‭ ‬ذلك‭ ‬وعدد‭ ‬وقوة‭ ‬من‭ ‬يعارضونه‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬اقليمية‭ ‬وقوى‭ ‬كبرى‭. ‬سبق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬ان‭ ‬تعرض‭ ‬الكرد‭ ‬لحملات‭ ‬عسكرية‭ ‬اقوى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تنه‭ ‬قضيتهم‭ ‬ولا‭ ‬حلمهم‭. ‬


لكن‭ ‬قبل‭ ‬وقت‭ ‬الشدة‭ ‬هذا‭ ‬عاش‭ ‬اقليم‭ ‬كردستان‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬اوقات‭ ‬رخاء‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬الاجتياح‭ ‬الاميركي‭ ‬للعراق‭ ‬وتحول‭ ‬التحالف‭ ‬الشيعي‭- ‬الكردي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المعارضة‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬الى‭ ‬القوة‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬ومغانمه‭. ‬اخذ‭ ‬الكرد‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬العرب‭ ‬اكثر‭ ‬مما‭ ‬يستحقون‭, ‬وهذا‭ ‬يفسر‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الشماته‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬الكثيرون‭ ‬في‭ ‬ابدائها‭ ‬مع‭ ‬تقدم‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬اشتكى‭ ‬الكرد‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬العرب‭ ‬استمروا‭ ‬بسياسات‭ ‬الهيمنة‭ ‬والشوفينية‭ ‬كلما‭ ‬تجمعت‭ ‬لديهم‭ ‬اسباب‭ ‬القوة‭. ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬الصفقة‭ ‬التي‭ ‬بنيت‭ ‬عليها‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬بين‭ ‬الاحزاب‭ ‬الكردية‭ ‬والشيعية‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يفترض‭ ‬حلا‭ ‬سياسيا‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬السنوات‭ ‬والتجارب‭ ‬اثبتت‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كذلك‭. ‬


وبينما‭ ‬انحدر‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الى‭ ‬ماس‭ ‬ادت‭ ‬الى‭ ‬مقتل‭ ‬مئات‭ ‬الالاف‭ ‬ودمار‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬حصره‭ ‬ومعدلات‭ ‬فساد‭ ‬جعلته‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬اكثر‭ ‬الدول‭ ‬فسادا‭ ‬في‭ ‬العالم‭, ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬مختلفا‭ ‬نسبيا‭ ‬في‭ ‬كردستان‭. ‬فرغم‭ ‬وجود‭ ‬فساد‭ ‬ومشاكل‭ ‬فقد‭ ‬قامت‭ ‬حركة‭ ‬تنمية‭ ‬وبناء‭ ‬كانت‭ ‬واضحة‭ ‬للجميع‭. ‬ساهمت‭ ‬سياسة‭ ‬العفو‭ ‬والتسامح‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬اختلفوا‭ ‬مع‭ ‬الحاكمين‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬استتباب‭ ‬الوضع‭ ‬الامني‭ ‬والمجتمعي‭ ‬والسياسي‭. ‬برز‭ ‬اقليم‭ ‬كردستان‭ ‬وخصوصا‭ ‬بحاضرته‭ ‬اربيل‭ ‬بمبانيها‭ ‬الشاهقة‭ ‬وطرقها‭ ‬المعبدة‭ ‬النظيفة‭ ‬طرق‭ ‬الاقليم‭ ‬الخارجية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬حفر‭ ‬بعضها‭ ‬بين‭ ‬صخور‭ ‬الجبال‭ ‬نقيضا‭ ‬للهدر‭ ‬والفساد‭ ‬وانعدام‭ ‬مظاهر‭ ‬العمران‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬انحاء‭ ‬العراق‭. ‬وعندما‭ ‬حلت‭ ‬كارثة‭ ‬انسانية‭ ‬سببها‭ ‬نزوح‭ ‬مئات‭ ‬الالاف‭ ‬مع‭ ‬سقوط‭ ‬المدن‭ ‬العراقية‭ ‬بيد‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬فتح‭ ‬اقليم‭ ‬كردستان‭ ‬ابوابه‭ ‬للنازحين‭ ‬العرب‭ ‬فيما‭ ‬عانوا‭ ‬الذل‭ ‬على‭ ‬جسر‭ ‬بزيبز‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬الدخول‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭. ‬

في‭ ‬المقابل‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬الكرد‭ ‬ان‭ ‬يقدموا‭ ‬نموذجا‭ ‬مقنعا‭ ‬تماما‭ ‬للمكونات‭ ‬الاخرى‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭ ‬وان‭ ‬كسبوا‭ ‬بعضهم‭ ‬لكن‭ ‬احداث‭ ‬الاستفتاء‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬بينت‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬فعلوه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافيا‭ ‬وان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬راضيا‭ ‬عنهم‭ ‬وراغبا‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬تحت‭ ‬حكمهم‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬من‭ ‬وجه‭ ‬لهم‭ ‬اتهامات‭ ‬شديدة‭ ‬بارتكاب‭ ‬انتهاكات‭ ‬وتجاوزات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭. ‬ورغم‭ ‬انني‭ ‬اعلم‭ ‬من‭ ‬اطلاعي‭ ‬المباشر‭ ‬ان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬حيدر‭ ‬العبادي‭ ‬اصلب‭ ‬واكثر‭ ‬تشددا‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬عما‭ ‬يبدو‭ ‬عليه‭ ‬المناسبات‭ ‬العامة‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬ايضا‭ ‬كان‭ ‬متسامحا‭ ‬مع‭ ‬الكرد‭ ‬قياسا‭ ‬بسلفه‭ ‬نوري‭ ‬المالكي‭ ‬وهذا‭ ‬امر‭ ‬اقر‭ ‬به‭ ‬قادتهم‭ ‬في‭ ‬العلن‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يترجموه‭ ‬الى‭ ‬اتفاق‭ ‬تصالحي‭ ‬وحصل‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬وقد‭ ‬بات‭ ‬العبادي‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬القوة‭ ‬الذي‭ ‬لن‭ ‬يقدم‭ ‬منه‭ ‬التنازلات‭. ‬


الكرد‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬شدة‭, ‬سواء‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬تعاون‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬الاتحادية‭ ‬ومع‭ ‬المباردة‭ ‬الايرانية‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬دخول‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬الى‭ ‬كركوك‭ ‬والمناطق‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭ ‬او‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يتعاون‭ ‬واكتفى‭ ‬بالتراجع‭ ‬وصب‭ ‬اتهامات‭ ‬الخيانة‭. ‬والشدة‭ ‬هذه‭ ‬تاتي‭ ‬استمرارا‭ ‬للازمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الاقليم‭. ‬اذ‭ ‬يستمر‭ ‬تعثر‭ ‬تسليم‭ ‬الرواتب‭ ‬لموظفي‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬بينت‭ ‬الازمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليهم‭ ‬وعلى‭ ‬مرتباتهم‭ ‬بشدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬وقد‭ ‬عادت‭ ‬المقولة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬ترددت‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاوقات‭ ‬ان‭ ‬الجبال‭ ‬هي‭ ‬الصديق‭ ‬الوحيد‭ ‬للكرد‭. ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬صحيحا‭ ‬لكن‭ ‬العدو‭ ‬الاخطر‭ ‬للكرد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬الكرد‭ ‬انفسهم‭ ‬وخلافاتهم‭ ‬الداخلية‭ ‬العميقة‭ ‬وطبيعة‭ ‬ارتباطاتهم‭ ‬بالدول‭ ‬المجاورة‭ ‬وخصوصا‭ ‬ايران‭ ‬وتركيا‭ ‬بالاضافة‭ ‬لاميركا‭ ‬بالطبع‭.‬