إعلان علوي

رؤية العبادي لعراق ما بعد داعش على بساط الريح أم في مهب الريح




بقلم : عبد الناصر المهداوي


ابتلي العراقيون برؤساء حكومات تقول الكثير، وكثير من قولها جيد ويدغدغ مشاعر الشعب العراقي ويلامس أحلامه وآماله على مستوى التنظير، وحين يبحث المواطن العراقي عن وعود رؤسائه على الأرض ويبحث عن واقع لها في بلاده الجريحة يجدها تتلاشى أدراج الرياح، في هذا الأمر قد يكون السيد نوري المالكي ولحكومتين متتالية سيد الموقف؛ فقد حاز قصب السبق في عدم انفاذ أي اتفاق سياسي أو وعد حقيقي قطعه على نفسه أمام شعبه أو أمام من يمثلون هذا الشعب السليب، فحين ترصد خطاباته تجدها تلبي ما يحتاج أن يسمعها المواطن في غالبها، غير أنها لا تتجاوز الكلام لأي واقع على الأرض يترجمها فعلا ويجعلها تمس احتياجات المواطنين الحقيقية، لا أخص بذلك إنهاء الفساد، فقد كان للمالكي مجلد كبير معنون بـ"استراتيجية معالجة الفساد" أو قريب من هذا الاسم في حين ينخر الفساد في جسد الحكومة العراقية بشكل يجعل من العراق في مقدمة الدول الأكثر فسادا على مستوى العالم، كما لا أخص بذلك توفير الخدمات الأساسية التي صرف عليها أضعاف ما تحتاجه على وجه الحقيقة دون أي تغيير أو تبديل لما يزيد عن عقد من الزمان.

بل المقصود الآلية التي يساس بها البلد فالظلم مستشري والطائفية المقيتة تسري في الجسد العراقي كما تسري النيران في الهشيم، ومجمل العملية السياسية تسير من فشل إلى فشل وتعرض البلاد من بلاء إلى آخر، وحين تولى السيد حيدر العبادي تأمل الناس خيرا خاصة إذا ما اعتبرنا مشروعه الإصلاحي الذي دعى له وسوق له وعمل بعض من مقتضياته، وظهر للشعب العراقي منقذا لهم وربما حماسته في الإصلاح جعل له رؤية لعراق ما بعد داعش يحلم بها العراقيون جميعا وخلاصة هذه الرؤية نجملها بالآتي: إن رؤية العبادي لما بعد الانتصار والتحرير هي مجموعة خطوات تتلخص في سبع نقاط مترابطة لا تتقدم إحداها عن الأخرى أو تنفصل عنها، ولا بد أن تسير معا في ظل حوار جدي ومصالحة مجتمعية تطوي بهما صفحة الإرهاب وما خلفه من دمار وتهجير وجرائم ضد الإنسانية. مدخل هذه الرؤية تتمثل في إعادة الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية عبر ما أسماه إعادة الاستقرار وتمكين النازحين من العودة إلى ديارهم ومشاركتهم في بناء وإعمار ما دمره داعش، ورعاية عوائل الشهداء والجرحى والمقاتلين الذين ضحوا بدمائهم دفاعاً عن الوطن، وكذلك المتضررين من الإرهاب وتأهيل المجتمع لمحو مخلفات داعش وثقافة العنف والكراهية، وتحشيد كل الجهود الوطنية من أجل تحقيق هذه الأهداف الوطنية والإنسانية.

والالتزام باحترام الآخر والتعايش السلمي مع جميع الشركاء في الوطن، المختلفين دينياً ومذهبيا وفكريا واحترام مقدساتهم، وحماية الأقليات وقدسية دور العبادة لجميع الأديان والمذاهب، وهذا يمثل أساساً للمصالحة المجتمعية. وعدم السماح بعودة الحالات والمظاهر الشاذة التي كانت سائدة في العراق في مرحلة ما قبل احتلال داعش للمدن، وهي حالة التحريض والتوتر والتخندق الطائفي والقومي البغيض على حساب المصالح العليا للبلاد، وهذا ما أسهم في تمكين داعش من إسقاط المدن والمحافظات. لذلك يوجب الالتزام بالخطاب الذي يكرس روح المواطنة ويحث على الوحدة والتعاون وعدم السماح لداعش وأي تنظيم إرهابي وإجرامي بالعودة من جديد والتغطية عليه في المدن المحررة أو السماح بنمو خلايا إرهابية جديدة، موضحاً أن النقطة الرابعة تتمثل في أهمية إقامة علاقات حسن جوار مبنية على المصالح المشتركة مع دول الجوار والإقليم، والعمل بإرادتنا الوطنية وقرارنا العراقي المستقل وعدم رهن إرادتنا ومواقفنا بالخارج في ما يخص قضايانا ومصلحتنا الوطنية.

وحصر السلاح في يد الدولة وإلغاء المظاهر المسلحة بشكل نهائي، واحترام أحكام القضاء وسيادة القانون في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، والتي تمثل النقطة الخامسة في رؤيته لما بعد التحرير والانتصار، وأشار إلى أن "النقطة السادسة تتمثل في الاستمرار بكل قوة وعزيمة وبتعاون الجميع بمحاربة الفساد بجميع أشكاله وصوره لأنه أكبر حاضنة للإرهاب والجريمة، وإبعاد مؤسسات ودوائر الدولة عن التدخلات السياسية والمحاصصة وعدم الاستئثار بمواقع المسؤولية والوظائف العامة من أجل تحقيق العدالة".

لو قدر للعبادي أن يترجم هذه الرؤية واقعا على الأرض فإنه سيحضى بمقبولية المكونات العراقية كافة وسينجح في تحييد إيران وسينطلق بالعراق من ضعفه إلى قوته ومن تشتته إلى تكامله بقي هل ستسند أمركيا العبادي لتحقيق ما وعد أم ستتمكن إيران من إجهاض هذه الرؤية والعودة بالعراق إلى الدمار والتمزق من جديد؟ سؤال ستجيب عنه الأيام؟ التعويل على الولايات المتحدة الأمريكية من قبل العبادي قد يكون مقبولا أو واقعا إن كانت للآخيرة رؤية واضحة معلومة البدايات والنهايات فتخرص الرئيس الأميركي ترمب بتقليم أضافر إيران في المنطقة لم نرصد له أي واقعا بل يشهد العالم الإسلامي اليوم تغولا للمشروع الإيراني بشكل ملحوظ! فعلى ماذا يعول السيد العبادي في تحقيق رؤيته هذه؟ هل يعول على فعله؟ أو عن إرادة حرة غير مسلوبة بفعل وقوة المليشيات المخالفة له؟ ففعل العبادي كرئيس وزراء لا يختلف عن سلفه المالكي إن لم يكن مغلوبا على أمره، فتقنين الحشد الشعبي جاء في زمنه وفي مخالفة واضحة للدستور العراقي وهو مطب وقع به مجلس النواب الذي يعد اليوم أداة في الطائفيين لكونهم أغلبية يستطيعون تمرير أي قانون حتى لو كان بهذه المخالفة الصارخة للقانون، وبعدها زاد الطين بلة حين شرع قانون هيئة الحشد الشعبي الذي يمنع أفراد الحشد من مزاولة أي نشاط سياسي أو مجتمعي!

وبعد أيام يصدر عن الحكومة العراقية التي أقرت قانون الأحزاب كيان سياسي باسم "عصائب أهل الحق" الميليشيا المسلحة الأقوى في الحشد الشعبي بعد قوات بدر، في مخالفة لقانون هيئة الحشد الشعبي ومخالفة أقوى لقانون الأحزاب السياسية الذي أقره البرلمان العراقي، والمصيبة أكبر حين يظهر السيد العبادي على الإعلام المرئي ومن خلال الفضائيات ويفضح تلميحا جرائم تسليم الموصل والمحافظات العراقية لداعش ويوعد بالعقوبة المستحقة وكأن الموضوع برمته دعاية انتخابية يراد بها تسقيط سلفه ومنافسه الأقوى المالكي الذي يتحمل بما لا يقبل الشك هذه الجريمه لكونه القائد العام للقوات المسلحة، وكونه صاحب الأمر بالانسحاب كما ذكر القادة العسكريون الذين لا نشك في أن فعلهم هذا استجابة لأمر أملي عليهم وليس خيانة، ويظهر مرة أخرى على الفضائيات يوعد بعدم مشاركة من يحمل السلاح خارج القوات المسلحة العراقية في الانتخابات في الوقت الذي أجيزت به مليشيا العصائب ككيان سياسي، فمالذي يجري على ساحة الوطن المنكوب بمثل هؤلاء وأولئك!؟. هل هناك إرادة حقيقية للسيد العبادي للإصلاح والتغيير غير أن مقاومة التيار المناصر لولاية الفقيه في العراق تعترضه وتعيقه؟

وإن كان الأمر كذلك فهو يسعى ولو على بساط الريح أن يحقق رؤيته. أم أن العبادي كسلفه بل يفوقه في المكر ويلعب على الطرفين فهو لا يستطيع أن يغادر التأثير الإيراني يقينا لكونه من منظومة توالي إيران وولاية الفقيه، وفي نفس الوقت يحاول ويسعى للاستفادة من التأثير الكبير للولايات المتحدة الأمريكية وتبجحها من نجاح النموذج العراقي في الشرق الأوسط كصناعة أمريكية، ويسعى أن يكونها رجلها الأول في العراق، بالتالي يركب موجة التغيير بعد أن طمئن الجانب الإيراني من كونه لن يذهب بعيدا عنهم، فرؤيته هنا تذهب في مهب الريح، كل هذه الاحتمالات واردة في عالم السياسة وستبقى الأيام القوادم من تجيب عن حيرتنا.