إعلان علوي

أنواع الإحتلال من دون حروب




بقلم : عبد الحق بن رحمون


لمَّا‭ ‬يذكر‭ ‬الزلزال‭ ‬يتداعى‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬سلم‭ ‬ريشتر‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬الزلزال‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬مؤخرا‭ ‬المغرب‭ ‬قوته‭ ‬كانت‭ ‬متفاوتة،‭ ‬لكن‭ ‬تداعياته‭ ‬ستؤثر‭ ‬على‭ ‬شيخوخة‭ ‬الأحزاب‭ ‬وحصيلة‭ ‬التي‭ ‬أصابها‭ ‬كساد‭ ‬أدائها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزلازل‭ ‬يحتمل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬الاحتلال،‭ ‬احتلال‭ ‬الأراضي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬شخصيات‭ ‬أو‭ ‬احتلال‭ ‬رخص‭ ‬الصيد‭ ‬البحري‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬البحار‭. ‬وعندما‭ ‬نطرح‭ ‬موضوع‭ ‬الاحتلال‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عدواً،‭ ‬ونزاعاً‭ ‬،‭ ‬تصبح‭ ‬معه‭ ‬الأراضي‭ ‬مملوكة‭ ‬للعدو،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يجد‭ ‬متعة‭ ‬التلذذ‭ ‬باحتلاله‭ ‬للملك‭ ‬العمومي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬العام،‭ ‬وأشهر‭ ‬أنواع‭ ‬الاحتلال‭ ‬التي‭ ‬نعاني،‭ ‬منها‭ ‬تشمل‭ ‬الأرصفة‭ ‬المحتلة‭ ‬عنوة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أرباب‭ ‬المقاهي،‭ ‬والفنادق‭ ‬المصنفة،‭ ‬ويأتي‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬العاشرة‭ ‬الفراشة‭ ‬أي‭ ‬الباعة‭ ‬الجائلين‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العشوائية‭.


 ‬واحتلال‭ ‬الأملاك‭ ‬العمومية‭ ‬يشمل‭ ‬أيضا‭ ‬الأدب،‭ ‬وإعادة‭ ‬طبع‭ ‬كتب‭ ‬تراثية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تقديم‭ ‬الحقوق‭ ‬لأصحابها‭ ‬الذين‭ ‬صاروا‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬النسيان،‭ ‬ويلي‭ ‬هؤلاء‭ ‬المحتالين‭ ‬فئة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تحتل‭ ‬الكتابة‭ ‬والتعاطي‭ ‬لممارسة‭ ‬جميع‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬من‭ ‬قصة،‭ ‬ورواية،‭ ‬وشعر،‭ ‬ونقد،‭ ‬وأيضا‭ ‬انتحال‭ ‬صفة‭ ‬مهنة‭ ‬الصحافة‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬قانون‭ ‬ينظمها،‭ ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاحتلال‭ ‬يشبه‭ ‬الصيرفي‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬آلة‭ ‬المنشار،‭ ‬ويجاوره‭ ‬شخص‭ ‬له‭ ‬ورشة‭ ‬أو‭ ‬حانوت‭ ‬ويريد‭ ‬إصلاح‭ ‬جميع‭ ‬الأدوات‭ ‬المنزلية‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الكوكوت‭ (‬طنجرة‭ ‬الضغط‭) ‬وآلة‭ ‬العصير،‭ ‬ومكيف‭ ‬الهواء،‭ ‬وإصلاح‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء،‭ ‬والغسالة‭. ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬العشوائيات‭ ‬كونت‭ ‬لنا‭ ‬سكنا‭ ‬ومهنا‭ ‬تشبه‭ ‬مدن‭ ‬الصفيح‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭ ‬واقتلاعها‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬وحسابات‭ ‬منتخبين‭ ‬لهم‭ ‬قاعدة‭ ‬انتخابية‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬الصفيح‭ ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬المهن‭ ‬الغير‭ ‬المهيكلة‭ . ‬والخطير‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬احتلال‭ ‬الاملاك‭ ‬العمومية‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬يصبح‭ ‬ريعاً،‭ ‬يكسب‭ ‬أصاحبه‭ ‬امتيازات‭ ‬وتكوين‭ ‬ثروة‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭. ‬


وللاستمرار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الامتياز‭ ‬يبحث‭ ‬مقترفي‭ ‬الاحتلال‭ ‬العمومي‭ ‬عن‭ ‬وساطات‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬وأصحاب‭ ‬النفوذ،‭ ‬لغض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬احتلوها‭ ‬واستغلوها‭ ‬في‭ ‬مشاريعهم،‭ ‬وهم‭ ‬بذلك‭ ‬يكسرون‭ ‬مقولة‭ “‬القناعة‭ ‬كنز‭ ‬لايفنى‭”‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬تراهم‭ ‬يتمادوا‭ ‬في‭ ‬الطمع،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬مساحات‭ ‬أخرى‭ ‬لاحتلالها‭ ‬في‭ ‬واضحة‭ ‬النهار‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تعويض‭ ‬للجهات‭ ‬مالكة‭ ‬العقار‭. ‬وانتشار‭ ‬ظاهرة‭ ‬احتلال‭ ‬الاملاك‭ ‬العمومية‭ ‬وخاصة‭ ‬الأرصفة‭ ‬هي‭ ‬فيروس‭ ‬تنتشر‭ ‬عدواه،‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬تقضي‭ ‬عليه‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬حتى‭ ‬ينتشر‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬وقت‭ ‬يخترع‭ ‬أصحابه‭ ‬طرقا‭ ‬ومسالكا،‭ ‬وقوالب‭ ‬جديدة‭ ‬التي‭ ‬تخالف‭ ‬القوانين‭ ‬المنظمة،‭ ‬ويأتي‭ ‬بعدها‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والادعاء‭ ‬أن‭ ‬الاحتلال‭ ‬هو‭ ‬الصواب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البطالة،‭ ‬والادعاء‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬المحتلين،‭ ‬هم‭ ‬فئات‭ ‬مظلومة‭ ‬وعلى‭ ‬الدولة‭ ‬إنصافها‭ ‬وتعويضها‭.


‬وتبقى‭ ‬رغبة‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬ممتلكات‭ ‬الغير،‭ ‬كيفما‭ ‬كان‭ ‬شكلها،‭ ‬ظاهرة‭ ‬تتحدى‭ ‬القوانين‭ ‬وتكسر‭ ‬صمت‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬رشوة‭ ‬ومحسوبية،‭ ‬و‭ ‬تحاول‭ ‬بين‭ ‬السطور‭ ‬التي‭ ‬يتسرب‭ ‬لها‭ ‬الشيطان‭ ‬بعض‭ ‬العناصر‭ ‬والفئات‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬لسبب‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬غض‭ ‬الطرف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إرضاء‭ ‬أشخاص‭ ‬لهم‭ ‬نفوذ‭ ‬معنوي‭ ‬ومادي،‭ ‬مستعملة‭ ‬آذانا‭ ‬بلاستكية‭ ‬و‭”‬تَحرميَات‭” ‬وحملات‭ ‬تدعي‭ ‬أنها‭ ‬تحارب‭ ‬احتلال‭ ‬الملك‭ ‬العمومي‭ ‬وكلها‭ ‬مجرد‭ ‬مسرحيات‭ ‬بعدة‭ ‬أقنعة،‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬لاعب‭ ‬للنَّرد‭. ‬والاشكال‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬احتلال‭ ‬الملك‭ ‬العمومي،‭ ‬صارت‭ ‬تستفز‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬البلدان،‭ ‬وهذا‭ ‬الاحتلال‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة،‭ ‬وإنما‭ ‬لعبة‭ ‬السيطرة‭ ‬والتحكم‭ ‬هي‭ ‬عقدة‭ ‬قديمة‭ ‬متوارثة،‭ ‬وتتطور‭ ‬بحسب‭ ‬العصر‭ ‬وتتلبس‭ ‬أشكالا‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬التحايل،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توسيع‭ ‬مساحات‭ ‬لمشروع‭ ‬تجاري،‭ ‬وفي‭ ‬سؤال‭ ‬ماذا‭ ‬سيكون‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الاحتلال‭ ‬ونحن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ “‬الأرض‭ ‬تتسع‭ ‬للجميع‭” ‬‮…‬‭ ‬الجواب‭ ‬هو‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬فضاءات‭ ‬ومساحات‭ ‬عمومية‭ ‬وحرة،‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬المرور‭ ‬منها‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الأرصفة‭ ‬والشواطئ‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭ ‬أرباب‭ ‬المقاهي‭ ‬والفنادق‭.


‬وبكل‭ ‬أريحية،‭ ‬سنضحك‭ ‬كثيرا‭ ‬لما‭ ‬نذكر‭ ‬أصناف‭ ‬الاحتلال‭ ‬المتعدد‭ ‬الذي‭ ‬يتقمص‭ ‬عدة‭ ‬وجوه‭ ‬لا‭ ‬طعم‭ ‬ولا‭ ‬لون‭ ‬لها،‭ ‬فهناك‭ ‬احتلال‭ ‬للأفكار،‭ ‬واحتلال‭ ‬للمناصب‭ ‬العليا،‭ ‬واحتلال‭ ‬للعقارات،‭ ‬واحتلال‭ ‬للسكن‭ ‬الوظيفي،‭ ‬وكنا‭ ‬فيما‭ ‬قبل‭ ‬ننتقد‭ ‬الاستعمار‭ ‬والمحتل‭ ‬الأجنبي،‭ ‬لكن‭ ‬مشكلتنا‭ ‬الآن‭ ‬مع‭ ‬المحتل‭ ‬لأملاك‭ ‬الدولة،‭ ‬والأخطر‭ ‬في‭ ‬فيروس‭ ‬الاحتلال‭ ‬أنه‭ ‬لانهاية‭ ‬له‭ ‬لأنه‭ ‬مرض‭ ‬وراثي،‭ ‬فمن‭ ‬يملك‭ ‬هكتارات‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬يريد‭ ‬ان‭ ‬يحتل‭ ‬أراضي‭ ‬جيرانه‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الوسائل؛‭ ‬بالدسائس،‭ ‬والمكر‭ ‬وكذلك‭ ‬بشن‭ ‬الحروب‭ ‬الصغيرة‭ ‬والكبيرة‭.‬


إذن،‭ ‬الاحتلال‭ ‬الذي‭ ‬يتخفى‭ ‬في‭ ‬مصطلح‭ ‬أصلي‭ ‬وهو‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬الاستعمار،‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬الاستغلال‭ ‬وطمس‭ ‬هوية‭ ‬الأشياء‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬كيان‭ ‬مسيج‭ ‬لايمكن‭ ‬العودة‭ ‬إليه‭. ‬والاحتلال‭ ‬الخطير‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يدخل‭ ‬إلى‭ ‬حمام‭ ‬شعبي‭ ‬ويحتل‭ ‬مساحة‭ ‬ويحيط‭ ‬نفسه‭ ‬بأعداد‭ ‬من‭ ‬القباب،‭ ‬وهذا‭ ‬يشبه‭ ‬احتلال‭ ‬مقرات‭ ‬أحزاب‭ ‬ونقابات‭ ‬والاستعانة‭ ‬بالكلاب‭ ‬البوليسية‭ ‬حينما‭ ‬يحدث‭ ‬الانشقاق‭ ‬والزلزال‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬قادة‭ ‬الأحزاب‭. ‬وهذا‭ ‬الاحتلال‭ ‬لايحتاج‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬لترجمته‭ ‬من‭ ‬مهده‭ ‬القديم،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الظلم‭ ‬والقهر‭ ‬والحكرة‭ ‬والتسيب،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬تام‭ ‬لربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬طبعة‭ ‬ثانية‭ ‬من‭ ‬الزلزال‭ ‬السياسي‭ .‬