إعلان علوي

لعبة الشطرنج الكبرى في الشرق الأوسط




بقلم : طلال الحريري


يشهد الشرق الاوسط متغيرات سريعة تحمل في طياتها حربا صفرية وصراعات حتمية بين عدة فواعل دولية واقليمية ستساهم بولادة الجسد العالمي الجديد وهو النظام العالمي المركزي الذي تُسيره تقنيات ومفاهيم الموجة الرابعة التي ستغير كل موازين القوى العسكرية والسياسية في العالم حيث لايكتمل هذا الجسد الا بولادة شرق اوسط جديد برؤية امريكية اوربية. ان ابرز ما يحدث في الشرق الاوسط هو ما يجري في لبنان وسوريا والعراق واسرائيل والسعودية وايران في اطر المتغيرات الاستراتيجية الامريكية_ الغربية لمواجهة النفوذ الايراني_الروسي. لقد تغيرت اسس النظام العالمي باتجاهات جديدة ضمن هيكلية تكرس السيطرة والتفرد بهامش من التعاون الدولي لمصلحة الاقوى على الاطلاق. 


ان التاريخ لا يُعيد نفسه وانما تتشابه احداثه ، لقد اصبحت سوريا افغانستان الثانية حيث ان المتتبع للشأن الروسي يدرك حجم التورط الروسي في سوريا، روسيا التي تعاني ازمة اقتصادية كبيرة لم تعد قادرة على موازنة مواقفها السياسية في ظل جو من المعارضة الداخلية للنظام، ان النظام الروسي لم يحارب الارهاب من منطلق الرؤية العالمية ومفردات الامن الجماعي وانما من منطلق الحفاظ على مصالحه البحرية في البحر الابيض، ونتيجة لذلك اصبحت روسيا مهددة بحالة من اللا استقرار الداخلي والخارجي، في روسيا تبلغ نسبة المسلمين اكثر من 18 بالمئة وتجاورها دول ذات اغلبية مسلمة كانت وماتزال تشكل هذه الدول النسبة الكبرى في عدد الجهاديين المشاركين في التنظيمات الاسلامية الراديكالية. ازمة الجهاديين شكلت مناخا ايجابيا لولادة تنظيمات راديكالية في الداخل الروسي بتجربة تتشابة الى حد ما مع تجربة داعش في الشرق الاوسط. ان تحليل الازمة الروسية اهم اسس ادراك هذه اللعبة الكبرى ، فلم يعد لروسيا سوى خيارين ، الاول استخدام الفيتو ضد اي قرار من شانه تغيير المعادلة التي اسهمت بها واستنزفتها عسكريا واقتصاديا، والثاني دعم الموقف الايراني ودفع النظام نحو مواجهة شبه مباشرة مع واشنطن وحلفائها في المنطقة عبر فواعلها العسكرية العابرة للحدود .


امن الجماعي


ان اهم ما ينتج عن هذه اللعبة هو بناء اسس لحقبة من الامن الجماعي ستشترك به الدول المتحالفة وعلى رأسها اسرائيل، فكل الوسائل متاحة في هذه اللعبة الكبرى كون الاهم هو شرق اوسط بلا نفوذ روسي_ ايراني يتمتع بأستقرار نسبي وفقا لآليات سياسية معدة سلفا. لقد تحول النفوذ الايراني في المنطقة الى تهديد للأمن القومي العربي والمصالح الغربية الاستراتيجية اهما مسألة الوجود الاسرائيلي، وخلال السنوات الاخيرة احدث الفتور الامريكي تجاه النظام الايراني فراغ كبير استطاعت تل ابيب ملئه، وبالتالي حصلت على ماتريد لتهيئة الظروف لأعلان عصر جديد من العلاقات مع العرب ترتكز على مسألتين، الاولى الامن المشترك من منطلق التعاون الامني_المعلوماتي، والثانية التبادل التجاري والتكنولوجي. ان تحالف الاخوان المسلمين مع النظام الايراني برعاية قطرية قلب المعادلة سياسيا وعسكريا ضد الدوحة وادخلها في ازمة ستنتهي بأجتياح عسكري خليجي مصري، وان الدور الكبير الذي حظيت به المملكة السعودية ات من مواصفات جيوسياسية واقتصادية كونها اكبر مساحة في الخليج قادرة على استيعاب اي ضربة عسكرية مفاجئة وتمتلك عمقا اسلاميا كبيرا وقادرة على تثبيت مواقفها السياسية والأهم انها تنافس على زعامة العالم الاسلامي روحيا وعسكريا بأمكانيات مالية كبيرة .


حرب صفرية


هذه المعطيات تجعل الحجر الاهم في هذه اللعبة يتمثل بالنفوذ الايراني عبر فواعله العسكرية المتنفذة التي ستجعل طبيعة الصراع تتجه بأتجاه حرب صفرية لا مركزية بوسائل ستستخدم لأول مرة في تاريخ الحروب التقنية، وهنا تقودنا هذه المعطيات الى التسائل من اين تبدأ هذه الحرب؟ من العراق المجال الحيوي لولاية الفقيه ام من لبنان مركز قيادة العمليات الايرانية في المنطقة ؟ النظام الايراني استطاع ان يكون قوة مؤثرة خارج حدوده الادارية حيث حول جميع امكانياته المالية والعسكرية لخلق فواعل عسكرية متطرفة لزعزعة الاستقرار والاستيلاء على دول المنطقة وشعوبها كما هو حاصل في العراق وسوريا واليمن ولبنان. لقد استطاعت الفواعل العسكرية الايرانية المتطرفة ان ترسخ واقعا جديدا في المنطقة بوسائل العنف واللا استقرار لأضعاف الدول واستغلال شعوبها وثرواتها البشرية والطبيعية، فخلال الاربعة عقود الماضية استطاع النظام الايراني خلق مركز عمليات وقاعدة عسكرية في خاصرة الشرق الاوسط تحت مسمى محور المقاومة الكائن في الجنوب اللبناني، واستخدمت النظام السوري لتغطيته وتحويل الاراضي السورية الى عمق ستراتيجي له ومعبر حيوي للتمويل والتدريب والاسناد . لقد اصبح حزب الله الفاعل الايراني الابرز والاقوى في المنطقة من خلال ادارته للملف العسكري الايراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين والكويت وشمال افريقيا ، لقد انشأ حزب الله في لبنان منظومة اتصالات سرية ومؤسسات عابرة للدولة، وفي سوريا احكم سيطرته على المؤسسات الامنية والعسكرية ووضع الاسد تحت الوصاية الايرانية، ولم يكتف حزب الله بضرب المصالح الامريكية في المنطقة واشعال الحروب ضد اسرائيل بل وضع يده على الدولة العراقية ، فحزب الله هو من يؤسس ويدرب ويجهز الفصائل المسلحة في العراق ويرسم لها خارطة طريق في العمقين العراقي والسوري تحت اشراف فيلق القدس والحرس الثوري الايراني . وخلال العقد الاخير استطاع حزب الله استغلال حركة حماس الاخوانية ضد مصر واسرائيل ورام الله عبر تمويلها بالاسلحة والاعتدة، وحزب الله هو من درب الحوثيين على الانقلاب في اليمن واستهداف السعودية للسيطرة على سواحل الخليج العربي. ان احد اهم شروط تحقيق السلام هو الحرب وهذه قاعدة اساسية في العلاقات الدولية، ان الشرق يتهيأ لحرب صفرية لا مركزية لمواجهة التهديد الايراني وتصفير مركز عملياته في لبنان، حزب الله هو النواة الاساسية للخطر الايراني وضرب هذه النواة اصبح امرا حتميا بحسب هذه الرؤية . 


الامر لا يتعلق بتصفير النفوذ الايراني بقدر ما يتعلق بوضع اليد على اهم مفصل حيوي في اوراسيا كبعد ارتدادي لهذه اللعبة ولاستكمال ماتبقى من سياسة السيطرة والانتشار الامريكي انتهاء لما اشار له بريجنسكي في نهاية القرن الماضي لتحديد مصير هذه الكتلة الجغرافية العظيمة. في الحرب المقبلة ستستخدم القوة وفقا لمفهومها في التحليل الجيوستراتيجي اي اكبر قدر من القدرة الدولية، فالقوة التكنولوجية و الاقتصادية والنفسية والتكنومعلوماتية والعسكرية والاستخباراتية ستشكل اهم مظاهر هذه الحرب، وفي العراق سيكون الوضعُ مختلفا، تلوح في الافق حرب حكومية لمواجهة الفساد السياسي وتحجيم قدرته المليشياتية بدعم امريكي في ظل حياد عن ما يجري في الخارج، غير ان الفجوة في التعامل مع الفصائل الحشدية والمليشيات الموالية لايران ستدفع الحكومة الى مواجهات مباشرة معها كما ستعمل ايران على احراج الحكومة العراقية للدخول في محورها عبر تحريك ورقة الارهاب في الصحراء الغربية وتفجير الوضع لخلط الاوراق والتأثير على الرأي العام الشيعي في الوسط والجنوب، وستقوم ايران بالضغط على بعض قادة الفصائل لهيكلتها وانهاء وجودها لكسب الرأي العام وصناعة ابطال قوميين !. ان اهم ما تنتجه هذه الحرب هو اعادة توزيع ميزان القوى بآلية جديدة تضمن لفرنسا وبريطانيا والمانيا واسرائيل مساحة ممكنة في الشرق الاوسط من خلال ملء فراغ ايران والاخوان المسلمين ونظام الاسد والنظام الروسي .


مشروع مارشال


فهل نحنُ بصدد مشروع مارشال جديد يُجاري مشروع اعادة البناء الشرق اوسطي؟ ان النتيجة الحتمية لهذه اللعبة هو سلام شامل ستتبعه متغيرات استراتيجية ونفسية من شانها ان تجعل دول الشرق الاوسط قادرة على تنمية الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي بمفاهيم ثقافية وسياسية اكثر اعتدالا واشد تمدنا وانفتاحا.