إعلان علوي

السعودية والإرهاب: مابعد داعش / 1



بقلم : د. علي المؤمن
دولة بكل تاريخها وفكرها السياسي وقوانينها وممارساتها ومساحات نفوذها وتأثيرها؛ تقف وراء الإرهاب التكفيري في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية؛ بدءاً بأراضي الولايات المتحدة الأمريكية وانتهاءً بقارة استراليا، وهي المسؤولة عن كل روح مسلمة تزهق وكل قطرة دم تراق من أجساد المسلمين؛ ولاسيما في العراق ولبنان وسوريا وايران واليمن وافغانستان وباكستان ومصر وليبيا وتونس والجزائر والبحرين. إنها المملكة الوهابية السعودية.

هذه الحقيقة نراها ونسمعها بالعين والأذن المجردين في كل شارع وزقاق ومسجد ومدرسة وجامعة ودار نشر واذاعة و تلفزيون ووزارة ومؤسسة حكومية في المملكة السعودية. بل إن إنشاء محمد بن سعود للدولة السعودية الأولى، وعبد العزيز آل سعود للثانية؛ كان مبنياً على العقيدة الوهابية التي تقوم على قاعدتي التكفير والقتل.


فضلاً عن أن المؤسسة الدينية السعودية الحاكمة ومشايخها الرسمييين وأئمة مساجدها وخطبائها ومناهجها التعليمية الدينية والمدنية؛ لاتنفي ذلك ولا تتنكر له؛ بل تجاهر بتكفير المسلمين من غير أتباع المذهب الوهابي، وتستحل دماءهم وأعراضهم وأموالهم؛ ولاسيما المسلمين الشيعة.

فهل هناك مايدعو بعد ذلك للجدل حول مسؤولية الدولة السعودية المباشرة وغير المباشرة عن جرائم الإرهاب التكفيري؟، وهل نحن بحاجة لإثبات هذه الحقيقة البديهية بملايين الأدلة والوثائق والمستندات؟ وهل يستدعي هذا الواقع أن نكرر النقاشات والجدل حوله ؟.

الغريب هو أن يسوغ المجرم لجريمته ولايتنكر لها، ويعطيها عمقاً عقائدياً وايديولوجيا. والأغرب أن يخرج بعض مشايخ الوهابية الرسميين ليستنكروا أحياناً جرائم التنظيمات الوهابية المسلحة كداعش والقاعدة والنصرة؛ لكنهم يقولون: ((بصرف النظر عن بشاعة هذه الجرائم وأبعادها الإرهابية والسياسية؛ فإن الشيعة في الحقيقة هم كفار محاربين تنطبق عليهم الحدود )). يقولون هذا علناً.. نهاراً جهاراً.

والأسوء أن هناك من غير الوهابيين؛ من المرتبطين بمصالح مع السعودية؛ سنة و شيعة؛ من يدافع عن الدولة الوهابية السعودية، ويقاتل لإثبات براءتها، أو نفي مسؤوليتها المباشرة عن جرائم الإرهاب التكفيري حداً أدنى. وهذا الدفاع بحد ذاته جريمة بحق العقل والضمير الإنسانيين؛ لأن من يدافع عن المملكة السعودية حيال رعايتها للفكر الإرهابي ولمعامل تفريخ الإرهابيين وتمويل الجماعات الإرهابية؛ فإنه يحتقر عقول الناس، ويستصغر وعيهم بأمر هو من أوضح الواضحات.

وفي موازاة ذلك؛ فإن هناك مسؤولين رسميين أو قادة أحزاب وجماعات شيعية؛ ولاسيما من العراقيين والإيرانيين؛ لايزالون يعولون على كسب ود الدولة السعودية أو التخفيف من غلوائها؛ عبر بناء نوع من العلاقة معها وزيارة ملكها وأمرائها ومسؤوليها، وإيصال رسائل إيجابية لهم. وهؤلاء ـ إذا أحسنا الظن بهم ـ يعيشون وهماً عظيماً؛ لأن الدولة السعودية ليست كغيرها من الدول؛ كمصر أو الأردن أو تركيا أو فرنسا ـ مثلاً ـ؛ لكي نتفاوض معها ونحاول تعديل مواقفها؛ فالسعودية في إنتاجها للفكر التكفيري وفي رعايتها للإرهاب؛ إنما تعبرعن كينونتها وبنيتها وعلّة وجودها منذ تاسيس الدولة الوهابية السعودية الأولى في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، ولو تخلت عن فكرها التكفيري الإرهابي؛ لأصبحت دولة أخرى. وهي بذلك تتطابق في منهجها وممارساتها مع الدولة الصهيونية؛ فهل يمكن التفاوض مع إسرائيل لتغيير قناعاتها وكسب ودها؟! وهل يمكن لإسرائيل ان تتخلى عن عقيدتها الصهونية؟!.


فكما إن الدولة الإسرائيلية هي دولة مصطنعة دخيلة مبنية على العقيدة الصهيونية التكفيرية الإرهابية الإجتثاثية؛ التي لها جذورها ونصوصها وقواعدها الدينية والانثروبولوجية والإجتماعية الراسخة، ويستحيل عليها التخلي عنها؛ ولو تخلت عنها انتفت علة وجودها؛ فإن الدولة السعودية هي أيضاً دولة مصطنعة دخيلة قائمة على العقيدة الوهابية التكفيرية الإرهابية الإجتثاثية. وبالتالي؛ فالعقيدة الصهيونية والعقيدة الوهابية هما وجهان لعملة واحدة في منهجهما ومخرجات حركتهما وممارساتهما؛ وإن إنتمت الصهيونية الى التفسيرات التلمودية اليهودية، وإنتمت الوهابية الى التفسيرات التيمية الأموية الإسلامية.

وكما أن الصهيونية الإسرائيلية هي فكرة عالمية لها أذرعها و لوبياتها وجماعات الضغط والوسائل التي تمتلكها في مختلف دول العالم؛ فإن الوهابية السعودية لها الوضع نفسه. وبالرجوع الى وصية الإمام الخميني؛ سنجد إنه يصف عداء العقيدة الوهابية السعودية للإسلام والمسلمين ولمذهب أهل البيت؛ بوصفٍ لايختلف عن عداء العقيدة الصهيونية الإسرائيلية، ثم يوصي المسلمين بالتعامل مع العقيدتين بالصيغة نفسها.

هذا المدخل يقودنا الى حقيقة واقعية؛ تتمثل في عدم جدوى محاربة الجماعات التكفيرية الإرهابية؛ عسكرياً وإعلامياً وثقافياً ومخابراتياً؛ بدءاً بالقاعدة وطالبان وداعش والنصرة وبوكو حرام والشباب وأنصار الإسلام وكل مايسمى بجماعات السلفية الجهادية، وعدم جدوى دراسة أفكار وممارسات أسامة بن لادن والزرقاوي أوملاحقة ابو بكر البغدادي وايمن الظواهري؛ فكل هؤلاء مظاهر وتجليات لفكر وممارسات العقيدة الوهابية السعودية التي دوّنها محمد بن عبد الوهاب بناءً على عقيدة ابن تيمية وابن مفلح وابن قيم.


وإذا تم القضاء على القاعدة والنصرة وداعش، وتم قتل الظواهري والبغدادي والشامي والشيشاني والجولاني والمئات غيرهم؛ فستظهر عشرات الحركات الإرهابية التكفيرية ومئات القيادات الدموية غيرهم؛ لطالما بقيت المصانع الفكرية والعقيدية والفقهية ومؤسسات الرعاية السياسية والمالية والمخابراتية القائمة في الرياض وجدة والمدينة ومكة والطائف والقصيم؛ تعمل في المملكة الوهابية السعودية بكل طاقتها.