إعلان علوي

الانقلاب الدامي : ٨ شباط ١٩٦٣




بقلم : محمد عبد الجبار الشبوط


خمس وخمسون سنة مرت على انقلاب ٨ شباط عام ١٩٦٣ الذي صادف وقوعه في يوم ١٤ رمضان. في ذلك الحين تحركت عصابات حزب البعث على مواقع الدولة العراقية وخاصة مبنى وزارة الدفاع الذي اتخذه رئيس وزراء الجمهورية الاولى الزعيم عبد الكريم قاسم مقرا له منذ الإطاحة بالحكم الملكي في ١٤ تموز من عام ١٩٥٨. كل العراقيين الذين لم تتجاوز أعمارهم الخامسة والخمسين لا يتذكرون ذلك اليوم. لهذا من الضروري تذكيرهم به. وصف البعثيون ما جرى صبيحة ذلك اليوم بالثورة البيضاء، او احيانا ام الثورات، وهذه هي المفارقة الأكبر. فقد صبغ ذلك ذلك اليوم بالأحمر القاني، حيث كان يوما دمويا سُفك فيه الكثير من الدم. وبقي الدم يسيل لحوالي ٩ اشهر هي مدة حكم البعث الاولى. كانت تلك الأشهر أشبه بفترة حكم الارهاب في فرنسا بعد الثورة الفرنسية لعام ١٧٨٩. فقد طُبعت الأشهر التسعة بطابع عمليات القتل المجاني والاعتقالات العشوائية والارهاب "الثوري" التي مارسته ميلشيات البعث التي حملت اسم "الحرس القومي".


قُتل عبد الكريم قاسم ورفاقُه في احدى غرف الاذاعة العراقية (تم هدم الغرفة لاحقا) وقُتل الكثير من العراقيين الوطنيين من الشيوعيين وغيرهم، واما الذين اعتقلوا فقد تعرضوا لابشع انواع التعذيب النفسي والجسدي، وانتُهكت الأعراض وسُرقت الثروات والاموال. أنهى عبد السلام عارف حكم البعثيين الاول، لكن ضعف خليفته وأخيه عبد الرحمن عارف، والمؤامرات الدولية إعادتهم الى السلطة في ١٧ تموز عام ١٩٦٨ لتبدأ المرحلة المظلمة في تاريخ العراق المعاصر الى ان سقطت "دولة" البعث في ٩ نيسان عام ٢٠٠٣.


اليوم يحاول البعثيون العودة الى السلطة مستغلين حالة عدم الرضا العام التي تسود العراقيين بسبب عدم نجاح دولة المكونات والمحاصصة والفساد في تحقيق طموحاتهم وأحلامهم في حياة اكثر امنا وسعادة ورخاء. وهو امر جعل الكثير من الناس يترحمون خطأً على ايّام صدام، وهم يجهلون ان البعثيين اذا عادوا فسيحكمون الناس بنار جهنم التي لا تُبقي ولا تذر. كيف اعرف ذلك؟ من خلال تجربتين لحكم البعثيين.


علينا ان لا نخطيء تشخيص الحل. فقد بقي العراقيون يتنقلون بين مختلف انواع الحكم والانظمة من عشرينات القرن الماضي. ولم تحصل اي من هذه الأنظمة على الرضا الكافي، وقد ان الاوان ان نعرف ان المشكلة تكمن في المركب الحضاري للمجتمع العراقي، وان الحل النهائي لهذه المشكلة يكمن فقط في الدولة الحضارية الحديثة وهو حل مستقبلي لا يتشبث بالحاضر ولا يحن الى الماضي. كيف عرفت؟ لان هذا هو الطريق الذي سلكته شعوب من قبلنا، عانت اكثر مما عانينا ونجحت اكثر مما نجحنا. ولا شيء يمنعنا من السير في هذا الطريق الا ارادتنا.