إعلان علوي

من أجل عراق ديمقراطي عادل مسالم




بقلم : د. نصيف الجبوري
منذ حوالي أربعة عقود كان الشغل الشاغل للكثير من العراقيين المخلصين الوصل إلى آلية عملية لترجمة الجواب الشافي لهذا السؤال. متى يخرج بلدنا من هذه الظروف المعقدة والتي تزداد تعقيدا بمرور الأيام والأشهر والسنين. فلقد قضاها وطننا في حروب عبثية منذ الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 وغزو الكويت عام 1990 تبعتها عشرية الحصار الظالم التي توجت بغزو العراق نفسه عام 2003 من قبل القوى التي ورطته وساندت قيادته في اعلان الحروب والغزوات.
إن هناك معادلات دولية ومصالح وأهدافا استعمارية تريد لهذا البلد وبلدان المنطقة أن تظل بقرة حلوبا خيرها لغيرها. لكن هذه الإرادات ليست قدرا إلهيا مقدرا لا يمكن الإفلات أو التخلص منه. فإذا ما توفرت الإرادة والرغبة الجماهيرية الشعبية في التغيير يمكن أن يعود العراق لسابق عهده نموذجا مسالما يحتذي به الآخرون ولا يعتدي على أحد.
إن مجد بلاد وادي الرافدين لا يمكن تناسيه فهو الذي علم الإنسانية الكتابة المسمارية. كما أن العالم يعلم بان حمورابي كتب من هذا البلد قبل أكثر من خمسة آلاف عام قوانين في مسلته تعيد حق الفقراء والمظلومين من الأغنياء والظالمين.
لقد كان لسكان هذا البلد السبق في التآلف والتعايش المشترك بين مكوناته، فاليهود والمسيحيون والصابئة واليزيديون مكونات أصيلة من نسيجه. المسلمون في العراق ايضا يتمتعون بخصوصية الوسطية والتسامح والفكر البناء والخلاق. اذ ليس من الغريب أن يحتضن العراق المذاهب والمدارس الإسلامية المتعددة من الأحناف والشوافع والجعفرية والمتصوفة بل إن أغلب المذاهب تأسست على أرضه. لقد تعايش أفراد تلك الأديان والمذاهب بسلام على أرض العراق وتآلفت قومياته المتعددة من العرب والأكراد والتركمان منذ القدم.
لقد سبق أن ذكرنا وذكر الكثير غيرنا بان خونة الوطن الذين دخلوا العراق بمعية جيش الغزو الأمريكي عاثوا في ارض العراق فسادا وفسقا فسرقوا أمواله واستعبدوا مواطنيه وهدموا معالمه. حتى أضحى العراق من ضمن أوائل البلدان في الفساد الإداري وسرقة المال العام والتخلف في مجالات التعليم والصحة والزراعة والصناعة.
ينبغي الآن أن يتوقف العراقيون عن البكاء والحسرة على الماضي ولعن الزمان وسب الاحتلال الأمريكي وعملائه. إن الهروب من الواقع المزري لن يزيده إلا تدهورا وانحطاطا. يكفي العراقيين العيش في الاحلام الوردية في تصور عراق مثالي تبنيه الآمال والأماني والخيال. يقول القرآن الكريم «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون» وقال أيضا «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».
أمام هذا التحدي لا بد من طرح حلول بديلة واقعية وعملية لطروحات شخوص الاحتلال والسائرين على نهجه ووفق اللعبة السياسية التي بناها المحتل. إن المرشحين الجدد في هذه الانتخابات المقبلة مقيدون بالدستور الطائفي الذي أرسى المحاصصة والذي قاد بلدنا إلى الحرب الطائفية بين أبناء الوطن الواحد. إن استشراء الفساد في كل اركان ومفاصل الدولة يعيق أي محاولة للإصلاح. اليوم وبعد خمسة عشر عاما لا يمكن لأي من المرشحين أن يصلحوا أسسا فاسدة مفسدة تجذرت في عرض البلاد وطولها. لقد رضي جميع مرشحي القوائم الحزبية والدينية والعشائرية والمستقلة والمدنية والليبرالية أن يكونوا لبنة في صرح العراق المحتل والتي تعيش تجربته أواخر أيامها.
أمام احتمال انقلاب عسكري يخطط له الأمريكان بعد الانتخابات ليقلب الطاولة على الجميع وينهي خدمات عملائه القدامى. وبعد كل هذه الحروب والكوارث التي عممت الفقر والظلم على أغلبية العراقيين. لا بد للوطنيين الأحرار من رسم خريطة طريق تتمثل في بدائل عملية لإنقاذ العراق من الهاوية والفوضى العارمة التي تنتظره.
إن أول الأولويات تبدأ من شخوص المجموعة الوطنية المخلصة نفسها، إذ يجب أن تتعهد فيما إذا اختارها الشعب القيام بإصلاحات اقتصادية تقشفية في رواتب الطبقة القيادية العليا فينبغي إذن أن تطمئن الشعب أن هؤلاء صادقون ويريدون خدمة العراق بالعمل وليس بالقول.
ينبغي إذن أن يلتزموا في دورتهم الانتخابية بأن لا يتقاضوا راتبا يزيد عن ألف دولار مهما كانت مناصبهم الرسمية رئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو رئيس برلمان أو وزير أو نائب أو قاض. وأن يعتمدوا على أنفسهم في المأكل والملبس والمسكن والسفر فلا يكلفون الدولة شيئا لأن المال العام مقدس ويجب صرفه للبناء والتنمية.
أن تشرع هذه الجماعة المخلصة في كتابة دستور وطني عراقي بالاستعانة بكوادر حقوقية عراقية وعربية وأجنبية مخلصة للبلاد لإعادة اللحمة بين أبنائه بغض النظر عن الدين والقومية والجنس والعرق.
توزيع الثروة بصورة عادلة بين الشعب عن طريق فتح المصانع الخدمية والزراعية والصناعية في عموم المحافظات خصوصا المنكوبة منها مع إعطاء الأولوية في التعيينات والمساعدات للفقراء والأرامل وذوي الشهداء والمهجرين
محاربة الفساد كالغش والرشوة والمحسوبية والمنسوبية ومحاسبة السراق الكبار كرؤساء الجمهورية والوزراء والنواب القدامى إضافة إلى الوزراء والنواب والقضاة والأثرياء الذين اغتنوا بصورة غير مشروعة.
إشاعة ثقافة حب الوطن والالتزام الأخلاقي في حرمة السرقة والغش والاختطاف والقتل فحرمة المواطن خير من حرمة الكعبة ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا.
التعاون مع الشعب لإعادة تأهيل البنى التحتية على أسس مدروسة للمدن والقرى وتأهيل الزراعة والصناعة لخدمة المواطنين.
بناء القطاع التعليمي وفق معايير علمية عالمية والعمل على مجانيته وعدم اقحام المذاهب في مناهجه.
مراقبة القطاع الصحي وبناء مستشفيات عامة وعمل ضمان صحي للمواطنين.
اهتمام العراق بنفسه والشروع في محادثات مع المحتل الأمريكي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تفعيل قرار الأمم المتحدة التي اقرت بعدم شرعية احتلال العراق والذي يقود إلى مطالبة دولة الاحتلال بإعادة اعمار العراق وتعويض أهالي الشهداء.
إعادة هوية العراق العربية وعودته إلى محيطه الإسلامي المنفتح غير المتعصب.
أخيرا قال رسول الله لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين وها نحن العراقيون لدغنا مرات عديدة لذا ينبغي أن لا نعيد الكرة وننتخب من باعوا العراق بثمن بخس للغرباء والمحتلين وتاجروا بثروات أبنائه وحولوا هذا البلد مطية لمصالحهم الآنية والأنانية.
لقد حان الوقت لاختيار البديل الأنسب الذي يهدف لبناء وطن حر مستقل يخدم أبناءه جميعا وفق دستور يكون بمثابة عقد اجتماعي بين مكوناته الأصيلة من مسلمين ومسيحيين سنة وشيعة عرب وأكراد وتركمان لبناء دولة عادلة لعموم العراقيين ذات طابع حضاري مدني متقدم تقرر مصيرها بنفسها وتتطلع إلى مستقبل زاهر ينهض بمواطنيه جميعا.
لا بد إذن لقوى الخير والمخلصين لهذا الوطن من المشاركة لتغيير المسار وقطع الطريق أمام الطائفيين والاستئصاليين والتكفيريين والسراق والخونة والمجرمين. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وقال رسول الله «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فتدعون فلا يستجاب لكم». فليس للمخلصين بديل آخر سوى القيام بالواجب الوطني وأن النصر لآت لا محالة وسيبقى العراق للعراقيين الشرفاء المخلصين رغم هذه الكبوة.