إعلان علوي

الانتخابات أم مصير العراق ومستقبل المواطن؟




بقلم : عصام الياسري
ذات يوم قالت لي أمي رحمها الله: يا بنيّ أصغي عندما يتحدث العقلاء كي تتعلم منهم. وبعد سنوات أتيت إليها قائلاً: يا أماه صغيتُ دهراً للعقلاء بصبر وإهتمام، لكن غير العقلاء لم يَصغ إليّ!.ويقول جورج أورويل: الشعب الذي ينتخب الفاسدين لا يُعتبر ضحية.. بل شريكا في الجريمة!يتجه سبيل الانتخابات وما تفضي إليه من نتائج من الناحية الجدلية في الأنظمة الديمقراطية، إلى إحداث تحول ميداني داخل المؤسسة التشريعية “البرلمان” هدفها إصلاح أو إعادة النظر بالقوانين والتشريعات غير المتوائمة مع المتغيرات والمستجدات داخل الدولة والمجتمع. أيضا تحديث البنى القيمية والمنظومة السياسية والدستورية والقانونية والإقتصادية والمجتمعية لنظام الحكم، بالشكل الذي ينسجم مع المباديء الأساسية التي يترتب عليها حفظ مصالح الأمة وكرامة الانسان ومستقبله.
لكن مبدأ التوافقية الطائفية ـ الحزبية في إدارة الدولة، جعل من الإنتخابات العراقية وسيلة للوصول إلى قبة البرلمان بهدف الحصول على الإمتيازات ليس إلا. الأمر الذي أدى ويؤدي إلى وصول أطراف لا خبرة لهم في إدارة دولة مدنية، لا في مجال السياسة ولا في أسلوب الحكم وقواعده إلى السلطة، وتحولها إلى قوة ضاربة تتحكم عن طريق المال والنفوذ، بمصير الدولة والمجتمع، بينما المطلوب والملح ان ينصب الإهتمام على أولويات مبادئ سيادة القانون واحترام مؤسسات الدولة، فأصبح المواطن عاجزاً عن المشاركة في صنع القرار حتى في الشأن الإنتخابي.
وبغض النظر عن طبيعة وشكل نظام الحكم في العراق، القائم على قطيعة، تفصل بين الأحزاب الحاكمة وفئات المجتمع المتنوعة بكل انتماءاته الطائفية والعرقية. يبقى من الناحية المبدئية حق المواطن في إبداء رأيه وممارسة دوره في انتخاب ممثليه، أو ممارسة حقه في المقاطعة لها، حق مشروع تكفله الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية، ولا يقبل المساس أو التجاوز عليه بأي حال من الأحوال، لانه أساس تطور المجتمع وتقدمه، فضلاً عن كونه مصدر السلطات. لكن السؤال يتكرر: هل هناك حقا جدوى في حال وضع العراق المثير للجدل واستحواذ أباطرة الأحزاب الطائفية على السلطة والمال في أن ينخرط المواطن في عملية الانتخاب؟
في كتابه “جوهر الفلسفة” يشير الفيلسوف الألماني “فيلهلم دلتاي” إلى ضرورة (ردم الهوة بين الذات والموضوع ـ وأن لا يكون “المنهج” من حيث جوهر القضية قابلاً للتأويل والإحتمالات). إلا أن ما يحدث في العراق في كل المقاييس يجري على خلاف هذه القاعدة. فبدل أن يُهدم ما يعيق عملية الانفتاح نحو مواضيع جديدة لانجاز عملية البناء والتطور بقوة وفاعلية وجعل حركة التحول نحو المستقبل أكثر ديناميكية، يجري تهميش المجتمع وسلبه إرادته بطرق لا قاعدة لها ولا أصول، فلا مؤسسات الدولة تعمل بشكل رقابي، ولا قانون يردع المتجاوزين في تلك المؤسسات. كما أن القضاء مهمش بسبب تسلط الأحزاب والفئات والطوائف الحاكمة، والدستور فيه الكثير من العيوب والنصوص التي لا تتلاءم مع المصلحة العامة للمجتمع ومبدأ المواطنة والمساواة، ويفتقر أسس وقوانين عصرية واضحة حديثة ترعى مصالح المواطنين وتلزم الدولة مسؤولية تحقيق الخدمات العامة وتوفير احتياجات المجتمع وأهمها العمل والسكن والتعليم والأمن والضمان الصحي والاجتماعي كما هو حال الدول المتمدنة. على العكس فإنه يراعي مصالح الأحزاب الطائفية ومنتسبيها، ويشكل لهم فقط هدف الهرولة إلى المقاعد النيابية.. ومع ان حظر إقرار وتحديث القوانين الدستورية خلال ثلاث دورات برلمانية سابقة، اتسم بتقويض حياة المواطن والمجتمع، فإنها، كما نعتقد، لن تقود في دورة رابعة مرتقبة إلى التغيير في المستويات السياسية والاجتماعية المختلفة، بل تقود بدلا من أن تتحول القوائم الانتخابية إلى مجالات للتنافس على خدمة الناس عبر برامج سياسية واقتصادية مدروسة، تصبح مجرد هيمنة جديدة للمرشحين الجدد!
لقد أعلنت المفوضية العليا للإنتخابات مؤخراً بأن أكثر من ستة آلاف وتسع مائة مرشح ينتمون لأكثر من مئة وسبعين كتلة وحزبا وسبعة وعشرين تحالفاً هجينا، تمت الموافقة على ترشيحاتهم لخوض الانتخابات في كافة المحافظات. الا أن الدعاية الإنتخابية بدأت قبل أن يعلن عنها رسمياً، مما يؤشر ذلك انتهاكا لكل الأعراف ويتعارض مع مفهوم الشفافية والنزاهة التي يتحدث عنها المرشحون. بيد أن ممارسات شراء أصوات الناخبين بأساليب وأسعار مختلفة من خلال سماسرة الأحزاب وشيوخ العشائر جارية على قدم وساق.. والسؤال: هل تستطيع الاحزاب والتحالفات الصغيرة التي لا تملك المال والنفوذ في ظل هكذا ممارسات أن تحصد بعض المقاعد النيابية؟ ولنفترض أنها كذلك، فهل تستطيع كمعارضة داخل قبة البرلمان في دورته الجديدة أن توجه البوصلة باتجاه التغيير؟ وهو ما لم يستطع من كان أكثر نفوذاً! الحقيقة أن نظام تتقاطع فيه المصالح الفئوية والحزبية والطائفية ويمتلك المتنفذون ميليشيات وعصابات تنتهك سيادة القانون والأعراف، لا يمكن احداث اي تغيير جذري وشامل ما لم يجر الدفع بقوة باتجاه التنمية المجتمعية والبحث عن رؤية وأساليب ومفاهيم جديدة.
ويبدو أيضا أن الانتخابات ومنذ مجلس الحكم، لا تعبر بنسبة عالية عن إرادة وطنية صادقة، وإنها ليست عراقية صرف. إقليمية ـ دولية تقف وراءها مؤسسات حزبية وطائفية وإعلامية تعبر عن خطاب ومشروع الفئات الطائفية المهيمنة محلياً بالنيابة عن اطراف اقليمية وبالشكل الذي جعل من العراق محطة صراع من أجل مصالح خارجية، تعرض استقلال العراق الوطني للخطر والتقسيم. الثابت إن جميع الانتخابات السابقة لم تغيّر في الأمر شيئا كما لم يستطع من هم على الطرف الآخر من الضفة الوصول إلى مبتغاهم في عملية التغيير، بسبب صراع الأيديولوجيات والمصالح والغايات وافتقار برنامج سياسي يلبي طموحات المجتمع العراقي بكامله إلا ما ندر.
يشهد العراق كل أربع سنوات انتخابات عامة ومجالس ثمانية عشر محافظة، ما يعني خلال عقدين يصبح لدينا جيش من النواب المتقاعدين. وإذا ما أجرينا معادلة حسابية بسيطة على معدل رواتب النواب والوزراء سنقف أمام مشهد خطير سيواجه مستقبلنا: ونفترض حسب القانون المعمول به، إن كل نائب تنتهي مهامه النيابية سيتقاضى راتباً شهرياً غير منقوص يفوق راتب النائب في الدول المتطورة كأمريكا وأوروبا واليابان ثلاث أضعاف، وسترث فيما بعد عائلته تقاعده مدى الحياة. فهذا ببساطة يقود، في غضون سنوات، إلى إستنزاف إمكانات العراق المالية ووصوله الى هاوية الإفلاس الإقتصادي، حينها ندق المسمار الأخير في نعش الدولة العراقية. وتجدر الإشارة إلى أن النائب أو الوزير في الدول المتطورة عند إنتهاء عمله النيابي يعود إلى وظيفته الأصلية دون أي تعويضات ضرائبية أو وظيفية، وتحال خدمته النيابية عندئذ إلى أحكام قانون التقاعد، حيثما يتقاضى راتبه التقاعدي بشكل طبيعي عند بلوغه السن القانوني.
أعود إلى السؤال: هل مِن جدوى للذهاب إلى صناديق الإقتراع؟ ربما الوسيلة الانجع ان تكون، كما نعتقد، في الدعوة الشاملة لاضراب عام لمقاطعة الإنتخابات البرلمانية العامة والمحلية لقلب المعادلة من أساسها بهدف الإصلاح المجتمعي، السياسي ـ والإقتصادي. وقطع الطريق على شلة من القوى والأحزاب الطائفية الفاسدة غير المعنية بالمصالح العامة للشعب والوطن من الوصول إلى صنع القرار واللعب بمقدرات البلاد وأمنها دون حساب أو رقيب. وربما محاولة كهذه ستضع بشكل وآخر المجتمع “الأغلبية الصامتة” أمام مراجعة لمواقفها والخروج عن إنكفائها السلبي تجاه القضية الوطنية برمتها. وفي النهاية فإن على الشعب العراقي وهو المعني الأول بان لا يستمر الوضع كما هو عليه وبالتالي يكون عليه أولا أن يأخذ زمام المبادرة بقوة وحكمة وتفانٍ، لكي لن يتحمل بدوره مسؤولية الكارثة المقبلة أن باءت محاولات القوى الخيرة بالفشل!